حين يأتي العيد إلى بيت الأكاديمي اليمني

   ثمةَ أحزانٌ لا تُرى في نشرات الأخبار، ولا تلتقطها عدسات الكاميرات، لأنها تمشي بهدوء داخل البيوت، وتجلس بصمتٍ إلى موائد الناس، وتختبئ خلف ابتساماتٍ متعبة يحاول أصحابها أن يُبقوا للحياة شيئاً من ملامحها القديمة.

   ومن أكثر هذه الأحزان صمتاً وأشدّها قسوة، تلك التي يعيشها الأكاديمي اليمني كلما اقترب العيد.

   في الأزمنة الطبيعية، كان العيد بالنسبة للأستاذ الجامعي موعداً للسكينة، وفرصة يخلع فيها عن كتفيه إرهاق المحاضرات والبحوث وهموم الطلاب، ليعود أباً بسيطاً يشتري لأطفاله ما تيسر من الفرح، ويجلس بين أهله مطمئناً أن تعبه طوال العام كان يكفيه بكرامة.

   أما اليوم، فقد تغيّر المشهد كثيراً، حتى صار بعض الأكاديميين يستقبلون العيد بقلقٍ أثقل من أيام العمل نفسها.

  أعرف أستاذاً جامعياً قضى أكثر من ثلاثين عاماً بين القاعات الدراسية والمكتبات، خرّج أجيالاً كاملة، وساهم في بناء عقول لا تُحصى، لكنه قبل أحد الأعياد وقف طويلاً أمام واجهة محل ملابس يتأمل ثوباً صغيراً لطفلته، ثم غادر بصمت لأنه لم يكن يملك ثمنه.

   لم يكن يؤلمه العجز المادي وحده، بل ذلك الشعور الخفي بأن العمر الذي أمضاه في خدمة العلم لم يعد قادراً حتى على حماية فرحة أطفاله الصغيرة.

   المؤلم في حكاية الأكاديمي اليمني أنه لا يملك رفاهية الشكوى العالية. فهو بطبيعته رجل معرفة، اعتاد أن يخفي انكساراته خلف لغة متماسكة ووجه هادئ.

 يدخل قاعة المحاضرة ليحدث طلابه عن التنمية والإدارة والاقتصاد والنهضة، بينما هو في داخله يخوض معركة يومية مع الإيجار، وفواتير الكهرباء، ومصاريف العلاج، ومتطلبات العيد التي أصبحت تشبه امتحاناً نفسياً قاسياً أكثر من كونها مناسبة للفرح.

 وحين يقترب العيد، تبدأ التفاصيل الصغيرة بإثقال القلب. كيف سيواجه أطفاله وهم يسألونه عن ملابس العيد؟ كيف سيزور أهله وأقاربه بوجهٍ يحاول أن يخفي التعب؟ كيف سيشرح لنفسه أولاً أن مكانته العلمية الرفيعة لم تعد تكفي لتأمين أبسط مقومات الحياة الكريمة؟ المأساة هنا لا تخص فرداً بعينه، بل تمسّ قيمة العلم ذاتها داخل المجتمع.

 فحين يشعر الأستاذ الجامعي أن سنوات البحث والتدريس والإنجاز تنتهي إلى هذا القدر من العجز والإرهاق، فإن الرسالة التي تصل بصمت إلى الأجيال الجديدة تكون شديدة الخطورة: أن المعرفة لم تعد تحمي أصحابها، وأن الطريق الطويل نحو التعليم قد لا يقود إلى الاستقرار كما كان يحدث في السابق. ومع ذلك، يواصل الأكاديمي اليمني أداء رسالته بصورة تكاد تكون بطولية.

 يكتب أبحاثه على ضوء انقطاعات الكهرباء، ويشرح لطلابه وسط ظروف معيشية خانقة، ويقاوم شعور الإحباط كي لا ينتقل إلى من حوله. بعضهم يبيع من مقتنياته الخاصة ليتمكن من السفر إلى مؤتمر علمي، وبعضهم يعمل في أكثر من وظيفة بعد انتهاء دوامه الجامعي، وآخرون يؤجلون احتياجات أسرهم كي يحافظوا على صورتهم المهنية وكرامتهم الإنسانية.

 وفي العيد تحديداً، تصبح الحكاية أكثر حساسية. لأن العيد ليس مجرد مناسبة دينية، بل مرآة اجتماعية يرى الناس فيها قدرتهم على إسعاد من يحبون.

وحين يعجز الأكاديمي عن تحقيق الحد الأدنى من هذه الفرحة، يشعر أن شيئاً عميقاً ينكسر داخله، حتى وإن أخفى ذلك بابتسامته المعتادة.

  ومع هذا كله، يبقى الأكاديمي اليمني واحداً من أكثر الفئات وفاءً لفكرة الوطن.

 فالكثير منهم كان يمكن أن يغادر بصمت ويبدأ حياة أخرى في مكان أقل قسوة، لكنه بقي مؤمناً أن الجامعة ليست مبنى فقط، بل ذاكرة مجتمع ومستقبل أمة.

  ولذلك فإن إنصاف الأكاديمي اليوم لم يعد قضية فئوية أو مطلباً نقابياً محدوداً، بل ضرورة وطنية وأخلاقية لحماية ما تبقى من قيمة التعليم والمعرفة في اليمن.

 فالأوطان التي تُرهق معلميها وأساتذتها طويلاً، تدفع لاحقاً ثمناً أكبر بكثير مما كانت تظنه.

أما الأوطان التي تحفظ للعلم مكانته، ولأهله كرامتهم، فهي وحدها القادرة على صناعة مستقبل أقل وجعاً وأكثر استقراراً.

ولعل أكثر ما يحتاجه الأكاديمي اليمني في هذا العيد ليس الشفقة، بل الشعور بأن المجتمع والدولة ما زالا يريان فيه قيمة لا عبئاً، ورسالة لا رقماً منسياً في قوائم الانتظار الطويلة لأن الإنسان قد يتحمل قسوة الحياة سنوات، لكنه ينهار حين يشعر أن تعبه كله مرّ دون أن يترك في ذاكرة وطنه ما يستحق الوفاء.