في الوقت الذي تحولت فيه منابرنا الدينية والسياسية إلى منصات لتفخيخ العقول، وبث سموم الطائفية والمناطقية، وتعميق الشرخ بين أبناء الجسد الواحد.. جاء "المستطيل الأخضر" ليعطي الجميع درساً قاسيًا وبليغاً في الوطنية والوحدة.
لقد نجح منتخبنا الوطني لكرة القدم في غضون تسعين دقيقة فقط، بما عجزت عنه نخب السياسة ومنابر الوعظ طيلة سنوات الفتنة منذ 2011م، أصلح هؤلاء الشباب، بـ "ركلة كرة"، ما أفسدته عمائم التحريض وربطات عنق السياسيين.
ثنائية في شباك لبنان.. وفرحة عابرة للمدن وجاءت الفرحة الكبرى لتزلزل الشارع اليمني، حين قهر المنتخب كل الظروف الصعبة، واستبسل رجاله على أرضية الملعب لينتزعوا فوزاً غالياً وثميناً على المنتخب اللبناني بنتيجة هدفين دون مقابل (2-0)، هذا الفوز النظيف لم يكن مجرد ثلاث نقاط في مشوار التأهل، بل كان بمثابة جرعة أكسجين لشعب خنقته صراعات الساسة، فخرجت الجماهير في صنعاء، عدن، تعز، حضرموت، والحديدة وكل المدن اليمنية ، تتنفس الفرح وتغسل جراحها بصوت واحد.
دموع جزائرية تُخجِل تجار الحروب! ولأن الوطن ليس مجرد شعارات تُباع وتُشترى، فقد جاءت الصفعة الحقيقية لوجوه خطباء الفتنة من رجل غريب عن التربة والدم؛ ففي اللحظة التاريخية التي صعد فيها منتخبنا الوطني الأول إلى نهائيات كأس آسيا، وقف المدرب الجزائري القدير نور الدين ولد علي أمام شاشات التلفاز وعدسات الصحفيين، ولم يتمالك نفسه فذرف دموع الفرح الساخنة حباً وانتصاراً لليمن.
لقد أظهر هذا المدرب العربي الأصيل وطنية حقيقية وانتماءً صادقاً تفوق به على كثير من اليمنيين الذين يملؤون الدنيا ضجيجاً بشعاراتهم.
دموع 'ولد علي' بعد هذا الإنجاز المستحق كانت درساً مجانياً في الوفاء، رسالة صامتة تقول: إن اليمن يستحق الفرح، بينما خطباؤنا وسياسيونا لا يجيدون سوى صناعة المآتم.
خطابٌ يُمزّق.. وكرةٌ تُجمّع بينما يتبارى الخطباء والسياسيون منذ بدأو في تدمير الوطن 20111م في فرز اليمنيين وتقسيمهم، صهر المنتخب كل هذه الفوارق في بوتقة واحدة، فلم اجد خطيبا واحدا منذ 2011م وحتى اليوم يدعوا اليمنيين للوحدة ونبذ الفرقة، وترك الاقتتال ، والابتعاد عن تقديس الأشخاص ... منذ 2011م لا زلنا وحتى اللحظة نسمع من على المنابر: نسمع لغة الإقصاء، التخوين، ولعن الآخر. بالمقابل في الملاعب: نرى التلاحم، العناق، والدموع المشتركة فرحاً بهدف يمني خالص. حين سُجل الهدف الأول والثاني في مرمى لبنان، لم يسأل المشجع في الجنوب عن مذهب اللاعب الذي مرر الكرة، ولم يبحث المشجع في الشمال عن منطقة المهاجم الذي هز الشباك. الكل هتف بلحن واحد: "بالروح بالدم.. نفديك يا يمن".
رسالة إلى هواة التفرقة. يا من تعتلون المنابر وشاشات التلفاز: ألا تخجلون من أنفسكم؟ ألا تتعلمون من أولئك الشباب الذين يركضون بقميص الوطن رغم شحة الإمكانيات؟ ألا تخجلون من دموع مدرب جزائري بكى لأجل فرحتنا بنتيجة (2-0) والتأهل، بينما أنتم تبكون لتجييشنا ضد بعضنا؟ ابكيتم الشعب واذليتموه جوعا، وفقرا، وبؤسا.
لقد أعاد المنتخب صياغة "الخطبة الحقيقية" التي يحتاجها اليمنيون اليوم: خطبة عنوانها التسامح، المحبة.
ألف ألف مبارك لنجوم منتخبنا، فأنتم من تستحقون وسام الشجاعة، ودرع السلام، فأنتم من تستحقون الحياة، ما دونكم يستحقون الموت.





