هل تخيلت يومًا فكرة الإستيقاظ وسط رقابة شديدة عبر شاشات رصد لا ترف لرمشة أو عطسة تصدرها؟ هذا ما كان يعيشه "وينستون" بطل رواية "1984" لـ "جورج أورويل" وهذا ما نعيشه الآن ربما.
يعد "وينستون" موظف يعمل في وزارة الحقيقة على تدنيس الحقائق والتاريخ، ويعيش في لندن وسط وطأة نظام الحزب والأخ الكبير في عالم يعتبر التفكير جريمة أدهى من القتل، وتكميم الأفواه وسيلة لإحكام القبضة على المواطنين.
دفعني أواخر الجزء الأول من الرواية إلى إعادة النظر في الأسباب التي تقود الدول العظمى لخوض حروبها، فعندما يطرح هذا التساؤل على طاولة نقاش ما فإن أول اجابة تطرأ على الأذهان هي: جشع الدول للسيطرة على الثروات والأراضي، الرغبة في التفوق الاقتصادي والعسكري، السيطرة على العالم. وجميعها إجابات تفضي وتصب في إناء واحد وهو " السيطرة والتربع على النفوذ العالمي ".
لكن يلخص "جورج أورويل "عبر أحد شخصيات رموز الحرية التي اتهمت بالخيانة في الرواية ''غولدشتاين'' إلى إجابة مختلفة ثم ما تنفك أحداث القصة في تأمل ما نعيشه الآن كشيء أقرب للرواية التي كتبت في سنة 1948م. فهل تنبأ الكاتب بالمستقبل أم ماذا وما علاقة الطبقية باستمرارية الحرب؟ آلة الزمن التي حاكى بها أورويل مستقبل الحرية الآن تأتي النقطة الأهم لضمان استمرارية الطبقية بمحو التاريخ وتزوير السجلات، فيؤمن 'غولدشتاين' إحدى رموز الحرية في الرواية بدور التزوير في السيطرة على الفكر بتوجيه الكتلة البشرية إلى اتجاه فكري واحد لا يهدد سلامة وجود الطبقة العليا/الحاكمة": إن الصحف وكتب التاريخ عرضة للتحريف، وتفتقد المصداقية عبر التاريخ، إلا أن التزوير الذي يمارس اليوم كان يصعب تصديقه في الماضي، ولأن الحرب عرضه للخسارة والمكسب، فلا يمكن أن تظل فئة حاكمة في حل من المسؤولية".
لذلك "عندما تصبح الحرب سجالًا مستمرًا فإن خطورتها تنعدم" وتكمن الخطورة في سقوط دولة دون الأخرى لذا فإن ضمان بقاء الدول يقوم على جعل الحرب تتصف بالديمومة بينها والطبقة العليا هي من تقوم بتحريك الأوجه السياسية على المناصب وتزيح ذاك وتضع ذاك، هي من تقرر الصفة التي يجب أن تتصف بها الحرب بحسب مصلحتها الخاصة.
إن قصة تزوير الحقائق هي أمر توقعه الكاتب ويحدث الآن عبر مشروع "بنما" لقضية "أنثروبيك" في الولايات المتحدة الآن، وهو مشروع يتم عبر آلات ذكاء اصطناعي تعمل على التهام نسخ الكتب مع إتلافها مما ينعدم وجود الوثائق الأصلية بعد أن تغذي الذكاء عليها وهي أزمة تهدد التراث العالمي إذا اتسع نطاقها، حيث يرى القُراء أنها أشبه بمحرقة الاسكندرية.
ووفق تقرير نشرته صفحة عربي news لمراسلة شؤون التكنولوجيا فيليبيا: " أظهرت وثائق القضية أن هدف الشركة كان إجراء مسح ضوئي إتلافي لجميع الكتب في العالم، ويشمل ذلك عملية إزالة كعب الكتاب بحيث يمكن مسح جميع الصفحات ضوئيًا بسرعة، ثم إعادة تدوير ما يتبقى منه." ويركز المشروع على الوثائق وكتب قديمة جدًا معظمها لا تتوفر منها نسخ بعد الآن وهذه كارثة تنبأ بها اورويل قبل عقود من الآن.
عندما أصبحت فتائل الحرب وسيلة للبقاء مقتبلًا لا توجد نهاية للحروب، وما نراه الآن ما هو إلا دمار يتصف بالديمومة والاستمرار وهذا الدمار لا يصب في الإنسان بل في إنتاجاته، فإن كانت الحروب تتطلب إنتاجات بشرية عسكرية في المرتبة الأولى من الأهمية، ثم اقتصادية تتضمن الغذاء والملبس والمسكن ووسائل النقل والاتصال وغيرها فإن ما تقوم به الحروب الآن هو تدمير هذه الإنتاجات لدفع الإنسان إلى إعادة صناعتها من جديد، فينشغل بالإنتاج ثم إلحاق الدمار بما أنتجه وهكذا دواليك ندور في دائرة مغلقة.
فنجد كمًا هائلًا من الثروات والإنتاجات ولكن لا تزال الشعوب تعاني الفقر والجهل والحاجة إلى الكد للنجاة، فهي من تكدح لتنتج، أما الطبقة العليا هي من تحصد وتُكافئ نفسها بما أنتجته الطبقات الأقل كما أنَّ استمرار وجود الطبقة العليا مقرون بوجود الطبقة الفقيرة. فما أن يتفشى الجهل والفقر يستمر وجود الأعلى والأقوى، ويقول في الهدف من الحرب: "وكانت المشكلة تكمن في كيفية جعل عجلة الصناعة تدور دونما ينعكس ذلك زيادة على الثروة الحقيقية للعالم، ما يعني أنه يتعين الاستمرار في إنتاج السلع، ولكن دون توزيعها، ولا سبيل لتحقيق هذه المعادلة على أرض الواقع إلا بالحرب المستمرة".
إن فكرة توزيع الثروات بين أفراد البشرية على قدم المساواة والعدل وتقليل ساعات العمل يعني أن الفقر والجهل سيتضاءل من حيز الوجود ويعني أيضًا أن الإنسان سيتسنى له الوقت الكافي للتفكير وبعد ذلك سيجد أنه ومن المفترض عليه إزاحة الطبقة الحاكمة إذ لم تعد ذا أهمية غير أنها ترغمهم على الكد بأقل الحقوق ؛ فهي في حالة ذعر تتمثل في الاستيقاظ ببطون خاوية لذلك سيتم اشغالهم بلقمة العيش، وحتى تقليل ساعات العمل والوصول الى مرحلة الاكتفاء المادي والمعرفة بوجود سلطة غاشمة لن يحل ذلك إذ أن هنالك عقبة أخرى تقف أمام الإنسان في العصر الحديث وهي ظهور وسائل الإتصال التي أضحت تزيح الإنسان عن التفكير والتثقيف والوعي إلى التبلد والجمود الفكري ثم يظن الإنسان أنه حرًا وهو لا يزال سجينًا، كما أنَّ الهواتف الذكية الآن هي الوجه الآخر لشاشات الرصد التي تراقب المواطنين في الرواية بشكل مستمر.
في النهاية لا نعلم إلى أي حافة سيؤول إليها العالم ولكن يمكن تحسس ملامح المستقبل من معطيات الحاضر وآثار الماضي، وعلى الرغم من أن ما كتبه جوروج مقارب إلى حد ما لما نعيشه الآن إلا أنه كان خياليًا أيضًا وهذا لا يعني أننا لا نستطيع إسقاطه على النظام الذي يحكمنا الآن.





