ثمة رجال لا تقاس علاقتهم بالآخرين بسنوات العمل ولا بالمناصب التي جمعَتهم بل بما يتركونه في القلوب من أثر وما يحفظونه من ودٍ حين تتبدل الأحوال وتطوى صفحات السلطة وتبقى صفحات الوفاء مفتوحة لا تغلقها الأيام.
وأنا أتابع مرثية الدكتور عبدالله العليمي في وداع الرئيس الوالد المشير عبدربه منصور هادي لم أجد نفسي أمام كلمات رثاء بقدر ما كنت أمام مشهد إنساني مكتمل المعنى كتبه القلب قبل أن يخطه القلم كانت الكلمات تستدعي رحلة طويلة من الصحبة والثقة والمسؤولية وتستحضر سنوات كان فيها الرجل الأقرب إلى الرئيس يحمل أعباء العمل معه ويشاركه تفاصيل أيام ثقيلة صنعتها الأزمات والمنعطفات الكبرى التي مر بها الوطن.
ولأنني عشت جانباً من تلك المرحلة وشهدت كثيراً من تفاصيلها فقد رأيت في كلمات الدكتور عبدالله ما يتجاوز حدود التعبير عن الحزن إلى معنى أعمق وأبقى… معنى الوفاء.
وفي أيام الوداع الأخيرة لم تكن المشاعر بحاجة إلى تفسير. كانت حاضرة في الملامح وفي الصمت وفي الانكسار الذي يمر خاطفاً على الوجوه ثم يحاول أصحابه إخفاءه.
قد تحجب النظارات السوداء دمعةً في العين لحظات الوداع الاخيرة لكنها لا تستطيع أن تخفي وجع الفقد حين يسكن الملامح ولا أن تخفي غصة القلب حين يودع الإنسان شخصاً لم يكن بالنسبة له رئيساً فحسب بل أباً وقائداً ورفيق رحلة امتدت سنوات طويلة.
هناك، في لحظات الرحيل الأخيرة تتجرد العلاقات من كل الألقاب ويظهر جوهرها الحقيقي وهناك رأيت الدكتور عبدالله كما عرفته دائماً وفياً للعهد حافظاً للود ثابتاً على المحبة التي لا تتغير بتغير المواقع ولا تنتهي بانتهاء المسؤوليات.
لقد كان المشهد كله يقول شيئاً واحداً إن الوفاء ليس كلمة تقال في خطبة أو تُكتب في مقال بل سلوك يرى في المواقف ويظهر في ساعات الفقد، ويقاس بصدق المشاعر حين لا يعود للمجاملة مكان.
رحم الله الرئيس الوالد عبدربه منصور هادي فقد غاب الجسد لكن بقيت سيرته في قلوب محبيه وبقيت المواقف الصادقة شاهدة على ما زرعه في نفوس من عملوا معه واقتربوا منه.
رحم الله الرئيس الوالد وأسكنه فسيح جناته وحفظ الله الود حين يكون بذرةً طيبةً تنمو في نفوس الأوفياء فيبقى أثرها شاهدًا على صدق المحبة ونبل الوفاء
د. عبدالقادر المحوري
