تُنسب هذه العبارة إلى ابن خلدون، وهي وإن لم تكن نصًا شرعيًا، إلا أنها تصف سنةً اجتماعية تشهد لها نصوص الوحي والواقع؛ فالجوع والحاجة إذا استفحلا كانا من أعظم أسباب اضطراب المجتمعات، وضعف الأخلاق، وانتشار الجريمة والفساد.
وقد قرن الله تعالى بين نعمة الرزق ونعمة الأمن فقال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 3-4]. وقال سبحانه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً... فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: 112].
وكان النبي ﷺ يستعيذ من الجوع فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع».
وقال ﷺ: «ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم».
ومع ذلك، فقد بشَّر النبي ﷺ بأن الخير باقٍ في هذه الأمة، وأنه سيأتي زمان يكثر فيه المال حتى يُعرض على الرجل الصدقة أو الهبة فيقول: «لا حاجة لي به»، مما يدل على أن أزمات الفقر والجوع ليست قدرًا دائمًا، وإنما هي ابتلاء يزول بالأخذ بالأسباب مع التوكل على الله.
واليوم يعيش اليمن سنواتٍ من الحرب والتدهور الاقتصادي، فأصبحت آلاف الأسر تعجز عن توفير قوت يومها، وظهرت آثار ذلك على المجتمع في صورٍ من الجريمة، والتسول، والفساد، وتفكك بعض الروابط الاجتماعية.
ومع هذا، فما زال أهل اليمن يضربون أروع الأمثلة في الصبر والعفة والإيثار، وهو ما ينبغي المحافظة عليه وتعزيزه.
وقد تبدو الحلول السياسية والاقتصادية الكبرى بعيدة المنال، لكن هناك حلولًا مجتمعية واقعية يمكن لكل قرية وحيٍّ وأسرة أن تبدأ بها من اليوم، منها:
▪️دعم الأسر المنتجة بشراء منتجاتها وتشجيع المشروعات المنزلية الصغيرة.
▪️نشر ثقافة حفظ النعم، بترتيب الفائض من الملابس والطعام وإيصاله إلى المحتاجين أو وضعه في أماكن مخصصة لذلك.
▪️إحياء روح الجوار، فلا يبيت جارٌ جائعًا وجاره يعلم بحاله.
▪️تشجيع أصحاب المزارع والصيادين والتجار على تخصيص جزء من إنتاجهم أو أرباحهم لدعم الأسر المتعففة، بما يسهم في تنشيط الإنتاج المحلي وتحقيق قدر من الاكتفاء.
▪️غرس ثقافة التعاون والتكافل بين الناس؛ فالأزمات تُواجه بالمجتمع المتماسك قبل أن تُواجه بالقرارات الرسمية.
وقد علَّمنا الإسلام أن قوة المجتمع تبدأ من أفراده، فقال ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد».
قد لا نستطيع إنهاء الحرب، لكننا نستطيع أن نمنع الجوع من أن يهزم أخلاقنا، وأن نجعل التكافل والتعاون سببًا في حفظ مجتمعنا حتى يفرج الله الكرب، ويبدل الخوف أمنًا، والجوع رخاءً، كما وعد سبحانه.
نزار الشاطري
