فارس العدني
ما شهدناه خلال الأيام الماضية لم يكن مجرد اختلاف في قراءة حدث تاريخي أو تباين في تفسير الوقائع، بل كان اختباراً حقيقياً لطريقة تعامل بعض النخب مع الحقيقة نفسها، وفقاً لهوية من يرويها لا لمضمونها.
فبمجرد أن أدلى الدكتور علي الأحمدي، وهو أحد رجال الدولة الذين عايشوا أدق تفاصيل تلك المرحلة، بشهادته في بودكاست تناول ما قبل سقوط صنعاء وأثناءه وما تلاه، انطلقت حملة واسعة من التشكيك والتخوين والتأويل والتحريف، وكأن الرجل ارتكب ذنباً لأنه تحدث بما رآه وعاشه، لا بما يرغب الآخرون في سماعه.
المفارقة أن المشهد ذاته لم يتكرر يوماً مع عشرات، بل مئات، المقابلات التي أُجريت مع شخصيات للأسف شمالية مختلفة، بعضها يمتلك حضوراً سياسياً، وكثير منها لم يكن صاحب قرار أو موقع مؤثر أصلاً، ومع ذلك تُركت رواياتها تمر دون هذا القدر من الاستنفار، رغم أن بعضها اجتزأ التاريخ، ولوى عنق الوقائع، وأعاد صياغة الأحداث بما يخدم مشروعه السياسي، بل ذهب إلى تحميل القيادات الجنوبية مسؤولية سقوط صنعاء، في تجاهل صارخ لما يعرفه اليمنيون جميعاً، وما وثقته لاحقاً الوقائع والوثائق والتسجيلات والمراسلات من أدوار متعددة لمن سهّل ودعم وتهاون ومهّد الطريق أمام المليشيات حتى دخلت العاصمة دون مقاومة توازي حجم الخطر.
لم يكن الاعتراض على رواية الدكتور علي الأحمدي اعتراضاً علمياً أو نقداً موضوعياً يعتمد على وثائق مضادة أو شهادات موثقة، وإنما بدا في كثير من الأحيان رفضاً مسبقاً لمجرد أن الشهادة جاءت للأسف من شخصية جنوبية، وكأن الحقيقة تفقد قيمتها عندما ينطق بها جنوبي، بينما تكتسب صفة اليقين إذا جاءت على لسان غيره.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.فحين تتحول الرواية إلى معيار مناطقي، ويصبح الانتماء الجغرافي مقدماً على الوقائع، فإننا لا نكون أمام نقاش تاريخي، بل أمام أزمة عميقة في الثقافة السياسية، وأزمة قبول للآخر،وانتقائية في التعامل مع الشهادات.
ومن حق أي باحث أو سياسي أو مواطن أن يناقش أي رواية، وأن يختلف معها، وأن يفندها بالأدلة والوثائق، لكن ليس من حق أحد أن يصادر شهادة رجل عاش الحدث، أو أن يحاكمها بمنطق الهوية لا بمنطق الدليل.
إن ردود الفعل التي امتلأت بها منصات التواصل لم تكن تعبر عن خلاف حول حدث بعينه، بقدر ما كشفت عن إرث طويل من الوصاية على السردية الوطنية، وعن رفض غير معلن لأن يكون للجنوبي حق رواية التاريخ من موقع الشاهد لا من موقع المتهم.
ولعل أكثر ما يدعو للتأمل أن ذاكرة الشعوب لا يمكن محوها، وأن الأحداث الكبرى لا يعاد تشكيلها بالهجوم الإلكتروني ولا بحملات التخوين، لأن ما خفي من تلك المرحلة لم يعد خافياً، وما ظل سنوات يروى همساً، كشفته لاحقاً الوثائق والتسريبات وشهادات الفاعلين أنفسهم.
ولهذا فإن شهادة الدكتور علي الأحمدي، سواء اتفق معها البعض أو اختلف، تستحق أن تُناقش بعقل، لا أن تُحاكم بانفعال، وأن تُواجه بالحجة، لا بالتخوين، وبالوثيقة، لا بالضجيج. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه لماذا تُستقبل عشرات الروايات الشمالية بوصفها شهادات تاريخية، بينما تتحول أول شهادة جنوبية وازنة إلى قضية تستنفر لها حملات التشكيك؟ الإجابة لا تتعلق بالرواية، وإنما بمن يرويها… وهذه وحدها كافية لأن تدفع الجميع إلى مراجعة كثير من المسلمات التي أفرزتها سنوات الحرب، وكشفت حجم التباين في المنهج، وفي الثقافة السياسية، وفي مفهوم الشراكة الوطنية. فالتاريخ لا يكتبه المنتصرون وحدهم، ولا تحتكره الجغرافيا، وإنما يصنعه الشهود، وتحفظه الوقائع، وتحكمه الأمانة. ويبقى من حق كل يمني أن يروي ما عاشه، وأن يقدم شهادته للتاريخ، لكن ليس من حق أحد أن يمنح صكوك القبول أو الرفض وفقاً للهوية أو الجغرافيا. فالحقيقة لا تتجزأ، والتاريخ لا يُكتب بالصوت الأعلى، وإنما بالشهادات الصادقة والوقائع الموثقة، مهما كانت مؤلمة، ومهما خالفت الروايات التي اعتاد البعض تسويقها لعقود.
ويبقى السؤال الأهم ماذا سيفعل هؤلاء عندما تخرج تباعاً شهادات موثقة أخرى، يقدمها رجال دولة وقادة ومسؤولون عايشوا تلك الأحداث لحظة بلحظة، وكشفوا ما ظل طي الكتمان لسنوات كيف ستكون مواقفهم عندما تتهاوى السرديات التي شيدوها، وتسقط الروايات التي دأبوا على ترويجها، ويتكشف حجم التحريف الذي طال الوقائع خدمةً لأهوائهم وميولهم ومشاريعهم السياسية
فالتاريخ قد يتأخر في كشف الحقيقة، لكنه لا يطمسها. والوقائع قد تُحجب زمناً، لكنها لا تموت. وكلما خرج شاهد جديد، أو وثيقة جديدة، أو رواية موثقة، انكشف زيف ما صُنع من سرديات، وسقطت الأقنعة عن أولئك الذين جعلوا من تزوير التاريخ وسيلة لتبرئة أنفسهم وإلصاق أخطائهم بغيرهم.
وعندما تكتمل الشهادات، لن يكون أمام أحد إلا خياران الاعتراف بالحقيقة، أو الاستمرار في إنكارها رغم وضوحها، وعندها لن تكون المشكلة في الشهادات، بل فيمن يرفض رؤية الحقيقة لأنها لا توافق هواه.
