جاء تشكيل الحكومة الجديدة ثمرة جهد سياسي مكثف، عكس حرص القيادة العليا في الدولة، وعلى رأسها فخامة الدكتور رشاد محمد العليمي وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي، على إدارة هذه المرحلة الحساسة بروح المسؤولية الوطنية، وفي ظل دعم إقليمي فاعل من الأشقاء في المملكة العربية السعودية، أسهم في تعزيز صمود المؤسسات واستمرار عملها في ظروف بالغة التعقيد.
وقد عكس هذا التشكيل إدراكًا عميقًا لحجم التحديات السياسية والاقتصادية والإنسانية، وسعيًا جادًا لتجاوز منطق إدارة الأزمات المؤقتة، نحو بناء مسار أكثر استقرارًا يقوم على الشراكة، والتوازن، والعمل المؤسسي المنظم.
كما حملت التشكيلة رسائل إيجابية، أبرزها توسيع قاعدة المشاركة في إدارة الدولة، والانفتاح على كفاءات جديدة، بما يعكس أهمية الشمولية في بناء مؤسسات أكثر فاعلية واستجابة لاحتياجات المجتمع.
وفي هذا الإطار، يبرز حضور المرأة في التشكيلة الحكومية باعتبارها شريكًا أصيلًا في مسارات التنمية وبناء السلام وإدارة الشأن العام.
وقد تم اختيار قيادات نسائية من ذوات الكفاءة والخبرة، يمتلكن سجلًا مهنيًا يؤهلهن لتحمّل مسؤوليات المرحلة ومتطلباتها.
غير أن هذا الحضور، على أهميته، يظل بحاجة إلى دعم وتمكين حقيقي، يضمن ممارسة الأدوار بفاعلية واستقلالية، بعيدًا عن الرمزية أو التقييد الإداري، لأن إشراك المرأة في صنع القرار يثري السياسات العامة، ويعزز العدالة الاجتماعية، ويقوّي مناعة المؤسسات.
وفي السياق ذاته، تبرز المحافظات الجنوبية بوصفها ساحة مركزية لاختبار جدية الدولة في الإصلاح وبناء نموذج مستقر وفاعل للحكم الرشيد، فاستقرار هذه المحافظات، وتعزيز حضور الدولة فيها، لا يمثل مصلحة محلية فحسب، بل ركيزة أساسية لأي مسار وطني نحو السلام. وقد عبّر الشاعر الوطني الكبير عبدالله عبدالوهاب نعمان عن جوهر هذه الرؤية بقوله: «الأوطان لا تُبنى بالكلام، بل بالعمل والصدق والإخلاص»، وهي مقولة تختصر جوهر معركة بناء المؤسسات التي نخوضها اليوم.
وفي قلب هذا المشروع، تبرز مدينة عدن بوصفها محورًا استراتيجيًا لا يمكن تجاوزه، فعدن ليست مجرد مركز إداري، بل مدينة ذات هوية اقتصادية عميقة، تعني الميناء، والتجارة، والاستثمار، والانفتاح على العالم.
لقد كانت عدن عبر تاريخها بوابة اليمن إلى الإقليم والعالم، ومركزًا للحركة التجارية والخدمية، ورافعةً للاقتصاد الوطني.
واستعادة هذا الدور ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة تنموية واستراتيجية تسهم في خلق فرص العمل، وتعزيز الإيرادات، وترسيخ الاستقرار.
كما يشكل الحوار الجنوبي–الجنوبي مسارًا وطنيًا مسؤولًا لمعالجة الخلافات الداخلية، وتوحيد الرؤى، وبناء موقف جامع يخدم مصالح أبناء الجنوب، بعيدًا عن الاستقطاب والتجاذبات، وبما يعزز الثقة ويهيئ بيئة مواتية للسلام.
ولا يمكن تجاهل الدور الكبير الذي قدمته وتقدمه المملكة العربية السعودية، والتي صرفت ولا تزال تصرف ملايين الدولارات دعمًا لليمن في قطاعات حيوية، من الكهرباء والوقود، إلى الرواتب، والمشاريع الخدمية والتنموية، والدعم الإنساني. وقد شكّل هذا الدعم ركيزة أساسية في منع انهيار الخدمات في لحظات حرجة، وأسهم في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
غير أن هذا الدعم، على أهميته، لا يكتمل أثره ما لم يُواكب بنظام واضح للرقابة والإشراف والمساءلة، يضمن توجيه الموارد إلى مساراتها الصحيحة وتحويلها إلى أثر تنموي مستدام.
ومن هذا المنطلق، نبارك لجميع من نالوا الثقة في التشكيلة الحكومية الجديدة، من نساء ورجال، متمنين لهم التوفيق في أداء مهامهم الوطنية، غير أن الاحتفاء والمباركة للوزراء والوزيرات، على أهميتهما، ينبغي أن يكونا منطلقًا لمرحلة عمل جاد، تُترجم فيها الثقة إلى أداء مؤسسي فعّال، قائم على التخطيط، والتنفيذ، والمتابعة، والمحاسبة، فلا تنمية بلا تمكين، ولا إصلاح بلا أدوات، ولا نجاح دون بيئة مؤسسية داعمة، وفرق عمل منضبطة، وآليات واضحة للمساءلة والحوكمة.
وفي موازاة ذلك، ينبغي أن يرافق هذه المرحلة خطاب إعلامي تنموي مسؤول، يواكب جهود الإصلاح، ويعزز الثقة، ويركز على البناء والاستقرار، بعيدًا عن التسييس والتخوين والتحريض، وبما يخدم المصلحة الوطنية العليا، فالإعلام الواعي شريك في البناء، ونقله المهني للإنجازات والتحديات يسهم في خلق مناخ إيجابي داعم للاستثمار والإصلاح.
ختامًا، تبقى معركة بناء الثقة والمؤسسات هي التحدي الأكبر أمام الحكومة الجديدة، وهي الفيصل الحقيقي بين مرحلة تكتفي بالوعود، وأخرى تؤسس لدولة قوية، عادلة، وقادرة على خدمة شعبها وصناعة السلام.