آخر الأخبار
ماجدات في تاريخ عدن/ الأستاذة روزين ياسين حضور جماهيري كبير يشهد تدشين فعالية الذكرى ال 70 للعلاقات اليمنية الصينية اللجنة الإشرافية والتنسيقية لدعم وإسناد الجبهات تعقد اجتماعها الأول في عدنورشة لميون تستعرض المسار التراكمي لتعبئة الأطفال وزجهم في النزاعمناقشة اطروحة دكتوراه بصنعاء.. لهذه الباحثةالدكتور عبدالله العليمي يبحث مع كبير الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي تطورات اليمن والدكتور عبدالله العليمي يصل نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدةالدكتور عبدالله العليمي يبحث مع مديرة صندوق النقد الدولي دعم الإصلاحات الاقتصادية في اليمنأسرة ضحيتي قضية قتل في أبين تدعو النائب العام إلى الإسراع في الفصل بالقضية وعدم تمييعها بالضغوط الإعلاميةمؤسسة الأمل تستهدف أوائل «حقوق عدن» ببرنامج الابتعاث الداخليد. خنبش: لا انقطاع للتيار الكهربائي بكليات جامعة حضرموتعاجل | تحذير أمني من عودة ظاهرة الباعة المتجولين إلى عدنماجدات في تاريخ عدن/ الأستاذة روزين ياسين حضور جماهيري كبير يشهد تدشين فعالية الذكرى ال 70 للعلاقات اليمنية الصينية اللجنة الإشرافية والتنسيقية لدعم وإسناد الجبهات تعقد اجتماعها الأول في عدنورشة لميون تستعرض المسار التراكمي لتعبئة الأطفال وزجهم في النزاعمناقشة اطروحة دكتوراه بصنعاء.. لهذه الباحثةالدكتور عبدالله العليمي يبحث مع كبير الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي تطورات اليمن والدكتور عبدالله العليمي يصل نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدةالدكتور عبدالله العليمي يبحث مع مديرة صندوق النقد الدولي دعم الإصلاحات الاقتصادية في اليمنأسرة ضحيتي قضية قتل في أبين تدعو النائب العام إلى الإسراع في الفصل بالقضية وعدم تمييعها بالضغوط الإعلاميةمؤسسة الأمل تستهدف أوائل «حقوق عدن» ببرنامج الابتعاث الداخليد. خنبش: لا انقطاع للتيار الكهربائي بكليات جامعة حضرموتعاجل | تحذير أمني من عودة ظاهرة الباعة المتجولين إلى عدن

نحن أبناء السماء.. نهدي ولا يهدي الينا أمس: ما الذي يجمع حضرموت بالصين

   صباح  أمس، الأربعاء الموافق 23 سبتمبر 2026م، وأنا أشارك عبر الفضاء الافتراضي «زووم» في أعمال الندوة التي أقامتها جامعة حضرموت بمناسبة الذكرى اليوبيلية للعلاقات اليمنية الصينية، تذكرت فجأة عبارة صينية قديمة ما زالت تسكن ذاكرتي منذ أكثر من عقدين: «نحن أبناء السماء… نهدي ولا نُهدى».

    كنت في الجلسة الأولى، التي أدارها الدكتور رزق الجابري، رئيس اللجنة العلمية للمؤتمر، وألقيت مداخلتي الموسومة بـ «التجاور المكاني والتلاقح الحضاري». وقبل أن أبدأ الحديث عن الصين واليمن، وجدتني أتحدث عن حضرموت نفسها؛ تلك الجغرافيا التي لا تكف عن بعث الأمل، حتى حين يشتد اليأس، ولا تتوقف عن التفكير في المستقبل، حتى حين تنشغل البلاد كلها بأوجاع الحاضر.

  شكرت حضرموت لأنها، في هذه اللحظة اليمنية العصيبة، اختارت أن تفكر بعقلها. ففي الوقت الذي تحتدم فيه الصراعات والمعارك في مناطق مختلفة من اليمن، تأتي جامعة حضرموت لتفتح نافذة للمعرفة والحوار، وتستعيد في قلب المكلا الجريحة معنى أن يكون للمكان عقلٌ يفكر، وذاكرةٌ تتذكر، وإرادةٌ تتطلع إلى المستقبل. إن انعقاد مؤتمر الذكرى السبعين للعلاقات اليمنية الصينية في هذه اللحظة بالذات وفي حضرموت الرحيبة يحمل رمزية تتجاوز حدود المناسبة الأكاديمية.

   فالمكلا التي عاشت في مطلع هذا العام واحدة من أقسى أزماتها، ها هي تلملم جراحها وتحاول أن تستأنف الحياة، لا بالشكوى من الماضي، وإنما بالتفكير في المستقبل. وكأن حضرموت تقول لليمنيين جميعًا: أنا أشير لكم إلى القمر، فلا تنشغلوا بالنظر إلى إصبعي! كان المؤتمر بالنسبة إليّ مناسبة لاستعادة تاريخ طويل من التواصل بين اليمن والصين، ولكنه كان أيضًا مناسبة لاستعادة بعض الأسئلة القديمة التي رافقتني منذ كنت طالبًا أبحث في فلسفة التاريخ والحضارات.

   وشكرت الدكتور أديب الشاطري الذي تواصل معي بشأن المؤتمر، وتذكرت في الوقت نفسه صديقًا عزيزًا غاب جسده وبقي حضوره في الذاكرة، الدكتور محمد سالم الجوهي، أستاذ الجغرافيا الحضرية بجامعة حضرموت، رحمه الله وأسكنه واسع رحمته. فبعض الأصدقاء لا يغادروننا تمامًا؛ إنهم يتحولون إلى جزء من الذاكرة التي نستدعيها كلما عدنا إلى الأمكنة والأفكار التي جمعتنا بهم.

   ومن حضرموت عدت، مرة أخرى، إلى الصين. «نحن أبناء السماء». قد تبدو هذه العبارة غريبة لمن يسمعها خارج سياقها الحضاري، لكنها تصبح أكثر وضوحًا حين نقرأ تاريخ الصين القديم، ونحاول أن نفهم الطريقة التي نظر بها الصيني إلى نفسه وإلى العالم وإلى موقعه في الكون. وربما استلهمها الشاعر والسياسي اللبناني بشارة الخوري، المعروف بلقب الأخطل الصغير ( 1885 - 1968) إذ أعاد توظيفها ضمن قصيدة "نحن أبناء السماء" الوطنية والحماسية، والتي نُظمت لإذكاء الروح القومية والدفاع عن كرامة الأمة ضد الاستعمار والتدخلات الأجنبية. توقفت طويلًا أمام هذه العبارة وأنا أكتب أطروحتي في فلسفة التاريخ في بغداد، التي تحولت في ذاكرتي إلى مدينة تجمع بين عظمة التاريخ ومآسيه.

   يومها كنت أقرأ أرنولد توينبي وأبحث عن معنى استمرار الحضارات، وعن السؤال الذي ظل يلاحقني: لماذا تنهض حضارات وتسقط أخرى؟ وكيف تستطيع بعض الحضارات أن تعيد إنتاج نفسها بعد الكوارث والانكسارات؟ ومن بين الصفحات التي استوقفتني قصة شهيرة تعود إلى عام 1793، حين أرسلت بريطانيا بعثة بقيادة اللورد ماكارتني إلى الصين في عهد الإمبراطور تشيان لونغ، حاملة نماذج من منتجات وتقنيات بريطانية، من بينها ساعة ميكانيكية متطورة آنذاك. لكن الإمبراطور الصيني لم يتعامل مع الهدية بوصفها اعترافًا بتفوق الآخر، بل جاء الرد الإمبراطوري في سياق رؤية صينية ترى أن الصين تمتلك ما تحتاج إليه، وأنها ليست في موقع التابع الذي ينتظر هدايا الغرب. لم يكن ما أثارني في العبارة مجرد غرابتها، وإنما ما تختزنه من رؤية للعالم. ما معنى أن يرى شعب نفسه «أبناء السماء»؟ وما معنى أن تصبح السماء، والطريق، والوسط، والتوازن، والتنين، والين واليانغ، مفاتيح لفهم حضارة بأكملها؟ منذ ذلك الوقت وأنا أحاول أن أفهم الصين والتنين لا باعتبارها دولة كبيرة فحسب، وإنما باعتبارها تجربة حضارية طويلة في كيفية البقاء والتغير والاستجابة للتحديات.

   وهنا يحضر أرنولد توينبي مرة أخرى. ففكرة «التحدي والاستجابة» التي صاغها توينبي في فلسفة التاريخ تساعدنا على النظر إلى التاريخ الصيني بوصفه سلسلة طويلة من التحديات والاستجابات. حروب، غزوات، صراعات داخلية، كوارث طبيعية، فيضانات، زلازل، أوبئة، تحولات اقتصادية واجتماعية، ثم إعادة بناء مستمرة. ليست عظمة الحضارة في ألا تتعرض للتحديات، فهذه استحالة تاريخية، وإنما في قدرتها على إنتاج استجابات جديدة كلما تغيرت طبيعة التحدي وهذا هو بالضبط ما فعلته حضرموت فبدلا من النحيب على اللبن المسكوب! فكرت بتجاوز الأزمة بالبحث في الممكنات المتاحة فوجدت في مناسبة مرور سبعين عاما على العلاقة اليمنية الصينية منذ 1956م فرصة لاعادة الأمل واستئناف النظر للمستقبل. ما الذي يجمع حضرموت بالصين البعيدة ؟

   قد يبدو السؤال غريبًا إذا نظرنا إلى الأرقام: فالصين دولة قارية تبلغ مساحتها نحو 9.56 مليون كيلومتر مربع، ويبلغ سكانها نحو 1.41 مليار نسمة، بينما حضرموت، بوصفها محافظة يمنية، لا تتجاوز مساحتها نحو 193 ألف كيلومتر مربع، ويُقدَّر سكانها بنحو 1.7–2.5 مليون نسمة بحسب المصدر وسنة التقدير.

   تلتقي الصين وحضرموت في جملة من الخصائص التاريخية: قدم الاسم واستمرار الذاكرة، والانفتاح على البحر، والتجارة والهجرة، والقدرة على تحويل الجغرافيا إلى طريق نحو العالم. والأهم من ذلك كله: ثقافة الاستمرار، وحب العمل، والتنظيم، والبحث عن الفرص، ورفض تحويل الاختلاف إلى عنف.

   ولعل التاريخ التجاري للحضارم في جنوب شرق آسيا يقدم مثالًا بالغ الدلالة. فقد درس المستشرق الهولندي لودفيك فان دن بيرخ في كتابه حضرموت والمستعمرات العربية في الأرخبيل الهندي انتشار الحضارم وشبكاتهم التجارية والاجتماعية في الأرخبيل.

  وتظهر دراسات تاريخية لاحقة أن التجار الحضارم دخلوا في منافسة مباشرة مع التجار الصينيين في مراكز تجارية إندونيسية، حتى إن نفوذهم التجاري في بعض المدن نافس نفوذ جماعات صينية قوية.

   وهنا تكمن المفارقة الجميلة: لم تكن المنافسة بين حضارتين متجاورتين جغرافيًا، بل بين جماعات بعيدة عن موطنها الأصلي، حملت معها العمل والمبادرة والقدرة على التكيف. ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هذه الرحلة بين الصين وحضرموت هو صورة التنين الصيني؛ ذلك الكائن الأسطوري المركب من عناصر متعددة، رأسه من هنا، وقرونه من هناك، وجسده من عنصر آخر، لكنه يظهر في النهاية ككائن واحد،

   وفي هذه الصورة تكمن، في نظري، استعارة فلسفية عميقة للحضارة الصينية: القوة لا تكمن في النقاء المنغلق، وإنما في القدرة على تركيب المختلف داخل وحدة جديدة. وهنا تلتقي الصين بحضرموت. فحضرموت، مثل الصين، لم تكن يومًا جزيرة مغلقة على ذاتها؛ كانت طريقًا للبحر والتجارة والهجرة والتواصل، واستطاعت عبر تاريخها أن تستقبل المؤثرات المختلفة، ثم تعيد صوغها داخل شخصيتها الحضارية الخاصة. وكما حافظت الصين على استمراريتها عبر التحولات الكبرى، حافظت حضرموت على اسمها وذاكرتها وروحها رغم تعاقب العصور.

   ولذلك فإن السؤال الذي تطرحه الصين على حضرموت ليس: كيف نقلدها؟ وإنما: كيف نصنع استجابتنا الخاصة لتحديات عصرنا؟ فالكونفوشيوسية علمت الصين قيمة النظام والمسؤولية، والطاوية ذكّرتها بمعنى الطريق والانسجام، والتنين جمع المختلف في رمز واحد.

   ولعل حضرموت تحتاج اليوم إلى مثل هذه الحكمة: أن تجعل من تنوعها مصدر قوة، ومن تاريخها طاقة للمستقبل، ومن موقعها الجغرافي جسرًا للتلاقح الحضاري فالحضارة التي تعرف كيف تصون ذاكرتها، وتستجيب لتحدياتها، وتفتح طريقها نحو المستقبل، لا تموت. ختاما يظل الطريق بين الصين اليمن مفتوحًا؛ لأن الحضارات العظيمة لا تعيش بالماضي، وإنما تجعل من الماضي طريقًا إلى المستقبل.