مقاومة النساء وأملهن في مواجهة الاختفاء القسري في اليمن

 

تخطت النساء اليمنيات حاجز الصمت إزاء الممارسات التي واجههن في الأعوام السابقة مع ظل استمرار الازمة التي تشهدها البلاد، فمرور ثمان سنوات منذ اندلاع الحرب في 2015م، تمكنت المرأة من لعب دوراً محورياً في البحث والمطالبة عن مصير ذويهم جراء الاخفاء القسري، الذي عانت منه بعض الاسرة بسبب الوضع الهش في مختلف مناطق البلاد جنوباً وشمالأً وشرقاً وغرباً، فدأبت بعض النساء من اتباع جميع الاجراءات وحاولن بكل السبل الممكنة ان يتخطن اثر جريمة الإخفاء القسري لضحايا الذي شمل ذويهم، حيث تعيش أسر الضحايا و ذويهم ظروف نفسية قاهرة لعدم معرفتهم بمكان و ظروف اعتقال مفقوديهم أو إذا ما كانوا على قيد الحياة.

 

ويقصد بالاخفاء القسري،بمفهومه العام، الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون موافقة أو دعم من الجهة المسؤولة على سلطة الامر الواقع، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، مما يحرمه من حماية القانون، لهذه تبقى القضايا والحوادث الممارسة لجريمة الإخفاء القسري، في حالة تفاقم مع غياب الحماية القانونية للأشخاص من الاختفاء القسري، علاوة على الحصانات الممنوحة لمن يرتكبون مثل هذه الجرائم.

 

فقد شغل سؤال الاختفاء القسري، بال النساء المعنيات به وشاركن الجهات والمهتمين في الشأن الحقوقي،وانتظمت جهودهن المشتركة والمتعددة للتصدي لهذه الجريمة، وتأسيس عدد من المبادرات النسائية كان أبرزها رابطة امهات المعتقلين والمختطفين قسراً،حيث شرعت بعض النساء في البحث عن المفقودين قبل وبعد الحرب،التعاون مع المنظمات المحلية والدولية للاستفادة في تقديم الدعم النفسي والقانوني لأسر المفقودين.

 

ثمة إدراك واسع لقدرة اليمنيات في إظهار أعمال المقاومة اليومية من قبل النساء المتأثرات بالاختفاء القسري هذا الأمر، فقد خلصت دراسة بحثية حديثة صادره عن المركز اليمني للسياسات معنونة «لو فقط …» مقاومة النساء وأملهن في مواجهة الاختفاء القسري في اليمن..، والتي اعتمد البحث على طرح سؤال من عدة مقابلات ودعوة بسيطة للسيدات إلى التعبير علنًا عن الأحداث الماضية وكذلك النضالات اليومية، كزوجات وأمهات وأخوات وبنات المختفين،لتكشف المقابلات الرابط بين التجارب الشخصية للمرأة والمقاومة بناءً على روايات مباشرة مجهولة المصدر من قريبات المختفين،حيث أن النساء اللاتي تمَّت مقابلتهن بالبحث من مناطق جغرافية مختلفة، بما في ذلك صنعاء والحديدة وعدن وريمة وتعز وإب ومأرب،وخلفيات اجتماعية واقتصادية متباينة،على الرغم من هذه الاختلافات، أظهرت المقابلات قواسم مشتركة قوية في كيفية رؤية النساء لوضعهن وكيفية مقاومتهن. لا تُفهم المقاومة هنا على أنها معارضة عنيفة، بل تُفهم على أنها أعمال تحمُل يومية، وأفعالٌ ضد الأعراف الجندرية والتحدث بصوتٍ عالٍ وإظهار التضامن، التي لا تتعارض مع القمع العنيف فحسب، بل هي أيضًا موجهة ضد وصمة العار والأيديولوجية التطبيعية وعدم المساواة الاجتماعية. يدور النقاش حول مواضيع متداخلة لفهم الروابط بين نقاط الضعف والمقاومة في التجارب الفردية للنساء.

 

ويشير البحث إلى أن ميل النساء إلى مقاومة الغياب الجسدي للمختفين، علاوة على حماية إرثهم، جزئيًّا للحفاظ على العلاقة مع أطفالهم، وكذلك العلاقة بين أفراد الأسرة، التي يمكن أن تتشوَّه نتيجة الوصم المباشر، بالتاكيد على إن وعي النساء بما يتعرضن له من ظلمٍ، ووعيهن بصواب موقفهن يسمح  لهن بالالتقاء معًا في تضامن، فقد استعرض وقيم البحث كل انواع واشكال المظالم والنظرات والتجارب للنساء اللتن جرى مقابلتهن، وكشفت عبر الروايات.. كيف يمكن للمرأة أن تصبح واعية سياسيًّا بواقعها الاجتماعي، وكيف تقاوم النساء بشكلٍ ضمني وصريحٍ في حياتهن اليومية، وتتصرفن بتضامن، وتصورن مطالب العدالة وتعبِّرن عنها،كما اظهرت المقاومة التي تُعرف بالمقاومة اليومية، التي تتجلى في الصمود والاستمرار في العيش، والتحدث، والتضامن مع الآخرين، والبحث عن الحقيقة، وأحيانًا الانخراط في النشاط السياسي بشكلٍ علني. في حين أن التركيز غالبًا ما ينصب على تلك النقطة الأخيرة، فإن المقاومة اليومية في الأشياء البسيطة، في الأفكار، في العثور على مصدرٍ للدخل، وفي إعالة أسرهن، يجب أن يُعتبر أيضًا نشاطًا سياسيًّا، مع الاعتراف بأن الشخصي هو أيضًا سياسي.

 

وخلص البحث الى عدة توصيات مفصلة متعلقة بحقوقهن والبحث عن الحقيقة واستعادة العدالة، نتطرق إلى ابرزها المتمثلة بتمكين قريبات المختفين من فضاء المجتمع المدني والذي يشمل ذلك المنظمات غير الحكومية الوطنية والدولية ووكالات الأمم المتحدة، للمشاركة بنشاطٍ في عمليات السعي إلى تحقيق العدالة والمساعدة عبر برامج بسيطة يسهل للنساء الوصول إليها للتغلُّب على عدم المساواة الاجتماعية وتقديم تدخلات الصحة النفسية والنفسية-الاجتماعية اضافة إلى معالجة المظالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي عانت منها هؤلاء النساء، وضمان حصول النساء على الفرص الكافية وتعزيز المساءلة الجنائية وعليه فان يجب على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والهيئات والوكالات والخبراء وغيرهم دعم نُهج العدالة التي تركز على الضحايا، على سبيل المثال نُهج العدالة التصالحية، والبرامج التعويضية، والآليات التي تؤكد قول الحقيقة وتبادل المعلومات مع العائلات.

 

فإن جريمة الإختفاء القسري عادة ما تجتر معها عدة سلوكيات تنتهك حقوق المخفيين، حيث يهدد حقهم في الحياة ، وسلب حريتهم، وتعرضهم للتعذيب والمعاملة القاسية و حقوقهم في الحصول على محاكمات عادلة، عزز الواقع المرير للبلد، من تضيّق الخناق على غالبية النساء اليمنيات، فالمرأة اليمنية تعيش وتعمل في توقيت استثنائي وحالة ضغط كبيرة، نظراً لجملة من المصاعب وتردي الأوضاع المختلفة، فقد تقدمت النساء الصفوف ببسالة وشجاعة بحثا عن مستقبل افضل حالا،وأعلن الرغبة في الحصول عن الحقوق والحريات لهن ولأسرهن التي عانين كثيرا بعد فقدها،ورفع أصواتهن للمطالبة بالعدالة والانصاف رغم الخذلان الذي لاقينه في الاهتمام بقضاياهن التي مثلت هاجساً لهن يسعن إلى تغييره.