العرب والعلم

“تعليم العلم يهدف إلى تحسين الرصيد القومي من المواطنين ذوي الكفاءة والأهلية لممارسة الديموقراطية، ومناقشة القضايا القومية، تأسيسًا على فهم علمي للقضايا والعالم من حولنا. الديموقراطية لا تستقيم في مجتمع تسوده أمية علمية، بينما نواجه قضايا قومية وعالمية تكتسب أكثر فأكثر، أبعاد علمية وتقنية… والسؤال: كيف نخلق مواطنين قادرين على ممارسة حقهم الديموقراطي بكفاءة، والمشاركة الإيجابية الواعية بفضل الثقافة العلمية؟”. جيمس تريفل – فيزيائي أمريكي

 

في المقالة الماضية، تحدثنا عن تعريف الثقافة العلمية ونشأتها وأهميتها في الوقت الراهن واليوم نستكمل ما بدأناه معًا.

 

هل سألت نفسك: لأي هدف نسعى في حياتنا؟ هل نتحلى بجرأة التفكير في الماضي والواقع الحالي استشراقًا لمستقبل ما قد يكون أفضل؟ ما المؤشرات في حياتنا التي تشير من قريب أو بعيد أننا قادرون على مواكبة روح العصر وهي العلم؟ ما المؤشرات التي تدل على أننا ماضون على طريق نحو مستقبل مرسوم بإرادتنا؟

 

إنني عند النظر إلى المجتمعات أجد حالتين لا ثالث لهما: الوجود والبقاء. الوجود هو إرادة قائمة على الفكر والعمل معًا لتأسيس حضارة عصرية فريدة وإثبات نجاحها، والبقاء هو الزيادة في هذا الوجود وامتدادها في المكان، بغير زمان، حيث لا تتغير.

وفي عصرنا الحاضر بعد أن أصبح العلم والتكنولوجيا هو محور الاهتمام لدى الكثير من البلدان، وهي أداة لصناعة التاريخ وبناء مستقبل أفضل، أصبح من الضروري أن نقوم بمراجعة ذاتية لاكتساب القدرة على اللحاق بركب الحضارة والعلم وتأسيس حياة كريمة للشعوب. ومن هنا كان هدف تقديم هذه السلسلة من المقالات أن نرى أنفسنا ونتعرف على مكاننا ونعي مفهوم الثقافة العلمية والاهتمام بها في آن واحد.

 

لماذا الثقافة العلمية؟

 

لكن, لماذا العلم؟ ولماذا الثقافة العلمية كثقافة عامة؟ ولماذا محور الأمية العلمية؟

 

وهذا هو السؤال الأكثر إلحاحًا في مجتمعات عجزت عن أن تمحو بالكامل الأمية الأبجدية لشعوبها، فضلًا عن ضرورة محو الأمية العلمية والثقافية والتكنولوجية.

 

والعلم الذي نتحدث عنه هنا ليس مجرد اكتساب معلومات علمية أو امتلاك مادي للتكنولوجيا فقط، ولكن العلم الذي يمثل روح العصر وهو منهج في فهم ودراسة الواقع، العلم هنا ظاهرة اجتماعية ثقافية إنه ليس معارف متفرقة، بل منهج مترابط في خدمة المجتمع يعمل على تماسك المجتمع وتطوره وتقدمه.

 

وثقافة العلم هي ثقافة التغيير، تغيير العالم عن وعي وإرادة، وليس مجرد فهمه أو فك طلاسمه أو النظر إلى الظواهر العلمية باعتبارها إعجازًا, لذلك فهي ثقافة قوة الإنسان وثقته بنفسه، والقدرة على البحث ورسم المستقبل، والعلم أداة لتحقيق الذات عن وعي ثقافي واقتصادي وسياسي.

 

العرب والعلم

 

والسؤال الأبدي الذي نكرره يوميًّا، أجيالًا وراء أجيال: لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟ والإجابة سهلة وبسيطة.. السبب عدم اهتمامنا بالعلم ودوره في حياتنا، وعدم رسم ملامح لمستقبلنا، وكل هذا لعدم امتلاكنا الإرادة لتغييره.

 

فبلادنا العربية تعاني من أمراض مزمنة هي من أحد أسباب تأخرنا وتخلفنا، نجملها فيما يلي:

 

* غياب سياسة تعليم وعلم تحقق للمجتمع امتلاك قيم المغامرة واكتشاف المجهول وحرية السؤال والبحث وحق الاختلاف وأن التنوع إثراء للفكر.

 

* تعاني البلاد العربية من غياب التمويل اللازم للبحث العلمي، وتكفي الإشارة هنا إلى أن ما تخصصه في هذا المجال لا يزيد عن 0.5 في المائة من إجمالي الناتج القومي، بينما هو في البلدان المتقدمة يتراوح بين 2.5 إلى 3 في المائة، وهذه النسبة الضعيفة جدًّا في البلدان العربية لا تكفي لتمويل أي بحث علمي أو ازدهار ثقافي علمي، بل إنها لا تكفي إلى سد أجور العاملين بهذا المجال.

 

* وهذا بالتأكيد قد أدى إلى هجرة الباحثين العلميين خارج البلاد، حيث يجدون الفرص المتاحة للتعبير عن مقدرتهم العلمية واستثمارها بدلًا من حياة الرغبة في الوطن.

 

* ارتفاع نسبة الأمية الأبجدية في كثير من البدان العربية وشيوع الأمية الثقافية العلمية والأمية الحاسوبية، وهو ما يعني غياب الإنسان، وغياب الثقافة العلمية التي تؤهله لكي يكون فاعلًا ومشاركًا إيجابيًّا.

 

* غياب الحداثة كرؤية وهدف مرسوم، ومن ثم غياب آليات التحديث في شتى مجالات المجتمع، وغياب الإيمان بأن العلم ومجتمع المعرفة هما السبيل لعلاج أمراضنا.

 

* غياب الإحصائيات الموثقة عما يمكن أن نسميه النشاط العربي العلمي، بل وغياب حق الحصول عن المعلومات إن وجدت.

 

* غياب دور الإعلام العربي العلمي بالكامل، باستثناء القليلين الذين يحاولون العمل تحت الضغوط وغياب الإمكانيات والتسهيلات، وقلة الدعم من الجميع.

 

وفي النهاية لا بد لنا إدراك أن ثقافة العلم لا تنشأ ولا تنتشر لتمثل مناخًا عامًا إلا في مجتمع منتج للعلم، وهو وطن للعلم، ومن ثم تكون ثقافة العلم عامل دعم وحفز نحو المزيد من الإنجازات ومزيد من تهيئة سبل الاستمتاع والعيش بالحياة وبحرية، ومن حيث الفهم لظواهر الحياة وما يدور حولنا.