تُظهر بعض النماذج المحلّية كيف يمكن للأعراف المجتمعية، حين تتأسس على الوعيّ الجماعي، أن تؤدي دورًا فعّالًا في ضبط السلوك وحماية المصلحة العامة.
ففي إحدى ربوع بلادنا الحبيبة، حيث تعانق القرى سفوح الجبال الشامخة، وتنساب الحياة بين أحضان الطبيعة في هدوءٍ بديع، اجتمع أعيان القرية على قرارٍ قد يبدو للبعض قاسيًا، لكنه في الحقيقة يعكس قمّة الوعيّ والمسؤولية: منع زيارة أحد المرضى، حتى بعد خروجه من المستشفى سالمًا ومعافى، التزامًا بتوصيات الأطباء، وحرصًا على سلامته وسلامة الجميع.
صدر القرار بإجماع، وطُلب احترامه من الأقارب قبل غيرهم، في إطار قوانين داخلية تُنظّم حياة القرية وتحفظ توازنها، بما يضمن راحة المريض وسلامته.
أعاد هذا المشهد إلى ذهني ما عاشته مجتمعاتنا خلال أزمة كورونا، حيث برزت مبادرات محلّية واعية، أثبتت أن روح التضامن والانضباط لا تزال حيّة بيننا، بل وقادرة على أن تكون أكثر فاعلية من كثير من الإجراءات الرسمية.
لطالما نظر البعض إلى مناطق الريف نظرة تهميش أو تقزيم، غافلين عمّا تحمله من إرثٍ ثقافي واجتماعي غنيّ، تركه لنا الأجداد: جود، كرم، حبّ، احترام، تضامن، وشعور عالٍ بالمسؤولية الجماعية.
نعم، نحن نمتلك منظومة أخلاقية وإنسانية عظيمة، متجذّرة في ديننا وثقافتنا الأمازيغية والعربية، لكن في المقابل، لا يمكننا إنكار بعض السلوكات والتجاوزات التي بدأت تظهر هنا وهناك، سواء في بعض مناطق الوطن أو حتى في مجتمعات عربية أخرى.
فما جدوى ترديد ذلك إن لم تنعكس هذه القيّم في سلوكنا اليومي؟ فالمجتمعات يا أخي ويا أختي لا تُقاس بما نقوله، بل بما نفعله، ولكن ما حدث في هذه القرية، ليس مجرد قرار عابر، بل رسالة واضحة: إما أن نُراجع أنفسنا بصدق، أو نظل نُبرر أخطاءنا باسم العادات والتقاليد.
كما أنه يدعونا إلى التوقف وإعادة النظر، ليس من باب النقد السلبي، بل من أجل التصحيح والتقويم.
إنه مثال بسيط، لكنه عميق الدلالة: حين تجتمع الحكمة مع روح الجماعة، يمكن للمجتمع أن يحمي نفسه بنفسه. فالتنظيم المجتمعي القائم على القيّم ليس فكرة مثالية، بل واقع ممكن — إذا توفرت له الإرادة والوعيّ.
فلنحافظ على ما هو جميل فينا، ولنُصلح ما يجب إصلاحه.