صخب خارج الزمن
2026/05/05 - الساعة 05:39 مساءً
ارقصوا فوق جراحنا الغائرة،
رقصةَ مَنْ يزرع الملح في شقوق التعب،
رقصةَ مَنْ يخيط جرح الأرض بالإبر المسمومة،
ويُشعل في عظام الحلم أصابعَ من قشّ،
وافعلوا ما شئتم،
طوفوا... وادّعوا... وارجموا الشيطان،
ومثل كل مرّة، انزفوا عرقًا ودمًا،
حبرًا يسيل من أقلامٍ لا تعرف إلا لون البكاء،
حبرًا يشبه الليل حين ينسكب من عيون الأرامل،
حبرًا ثقيلاً كلعنة الأجداد في فم الريح،
واربطوا على بطونكم الخاوية،
تلك الطبولَ الصامتةَ تُنصت لهدير الفراغ،
تُدقُّ حين يمر طيف الخبز في المنام،
والتقطوا الصور التذكارية بعناية المنتصر،
كأن الزمانَ كفُّ غمامة،
والمجدَ طيفٌ عابر،
والنصر حمامةٌ بيضاء،
ذبحوها على عتبة الخطاب،
وارفعوا فوق هاماتكم المتعبة،
الأعلامَ والقادةَ البؤساء،
كأوراق سقطت بوجه الخريف،
كأكفانٍ مطرزة بخيط الذهب،
ترفرف في ريح الخذلان .
أيها الضائعون في زحام الهتاف،
يا مَنْ تتقاذفكم ريحُ الشعاراتِ،
يا مَنْ تمضغكم أفواه المنصات،
وتبصقكم أصداء الشقاء ،
اسمعوا جيدًا، واعلموا،
فهذه الحشود لن تُسقِطَ السماء،
لن تمزق الغيم الذي يلف الأفق،
والشمس ستظل ساطعة ،
لا تعبأ بعَتَمَة أو تغمض جفنها لرحيل،
فلن تزول أو تُخسَفَ حزنًا ،
ستظل مضيئة للعتمة ،
كل صباح، غير آبهة بأحد .
وهذه الهتافات المبحوحة الصدى،
المشروخة كجرسٍ من طين،
المجروحة كحمامة تصطادها المرايا،
لن تعيد روحًا سقطت عبثًا،
ولن توقظ جسدًا مات،
ولن تُرمِّمَ جدارَ الصمت،
فالموتى لا تعيدهم الضوضاء،
هم نايٌ انكسرت أنفاسه،
وأغلقوا خلفهم أبواب الصدى،
هم ثقبٌ في نسيج الصوت ،
لا يرقعه الهتاف .
الأقوياء لا تستفزهم الطبول،
فقد صاروا كالجبال،
تُنصت للريح ولا تهتز،
يضحكون من هول المشهد،
من هزلية المأساة في عين النهار،
حيثما الممثلون جثثٌ تُصفق ،
يسخرون من هذا الرثاء المتأخر،
من هذا البكاء المستأجر،
يَلبَس ثوب الغضب ليكسب صفقة،
أو ليشتري مقعدًا في السلطة،
كراوٍ يبيع ظلَّه عند بوابة الليل،
كمن يسرق دموع الموتى ليسقي بها ظمأه .
أيها التائهون في سراب الوهم،
الظمأى الملتصقون بأهداب السراب،
الهاربون من عطش الحقيقة إلى بحر من دخان،
العبث أضنانا سنين،
كفيروسٍ شفيفٍ يسري في شرايين الفجر،
ينخر أعماقنا ويقتل أحلامنا ،
هذا الصخب أضحى خارج الزمن،
أضحى صدى بلا صرخة،
ووجعًا بلا ذاكرة،
جرحًا بلا جسد ينزف،
كصرخة في حلق المعدوم،
وهذا الضجيج المتخم بالشعارات،
الفارغ من البصيرة،
لا يبني وطنًا أو يكتب مجدًا،
إنه يُقيم جسرًا من دخانٍ بين ضفتي الهاوية،
جسرًا من أنفاس المحتضرين ،
تعبره خيول الغزاة، صامتة الحوافر .
أفيقوا من خَدَر الأوهام،
قوموا من تحت ركام الشعارات المكرورة،
حطامِ التماثيل التي أقيمت للعراء،
تلك الأصنام المنحوتة من زبد الخطابة،
تذوب مع أول مطر،
انزعوا عن صدوركم أوسمة الخطابة الجوفاء،
تلك الرتوشَ الصدئة على جثامين الأحياء ،
فالوطن ليس هتافًا يُردَّد،
ليس شرطًا يُملى على دفاتر العابرين،
ليس غنيمة تُوزَّع على موائد اللصوص،
ليس صكّ غفرانٍ يمنحه البابوات،
ليس منبرًا من عظام الشهداء ،
يصعد عليه خطيبٌ لعين .
هو ذاك الصمت الرطب خلف النشيد،
إنه خبز الفقير،
ودواء المريض،
وسقف اليتيم حين يئنُّ الخشب تحت وطأة المطر فلا ينكسر،
وكتاب الطفل حين تتحول الحروف إلى أجنحة،
هو النهر الذي يحفر مجراه بصبر الماء،
لا بضجيج الطوفان .
ابذلوا لوطنكم بصمت،
كما يحبو النهر إلى المصب، أعمى وعاشقًا،
كما يتسلق الجذر في الظلام، لا يوقفه حجر،
واحرثوا أرضكم بعشق لا يأبه للَفَحَة الشمس،
بأيدٍ تحفظ لغة الحجر والبذرة،
بأيدٍ تعرف أن في كل حفنة تراب،
نبض جدٍّ دُفن واقفًا،
أعملوا وإن شَحَّ العطاء،
أبنوا بلا منِّة أو كلام،
بهدوء كمن ينسج ثوبًا للغد،
من خيوط الضوء بين أصابع الفجر،
كمن يبني سفينة للخلاص،
لا يسمعها أحد، في عمق المحنة .
الوطنية فعل لا كلام،
حنجرةُ العمل لا حنجرةُ الخطاب،
تُزرع كسنبلة، لا كصرخة،
تكبر ببطء الصلاة ، لا بسرعة الرصاصة،
تسري صاعدةً في الظلام متلمسةً وجه النور،
وتُروى بعرق الجباه ، لا بدم الضحايا،
فلا قمحَ يثمل بدم،
ولا زهرَ يولد من رماد،
فانفضوا عنكم غبار المواكب،
غبارَ مسيرات أكلت وجوهَ السائرين،
غبارَ طرقاتٍ حوّلت الأقدام إلى حوافر،
والصدور إلى طبول خاوية،
وعودوا إلى الأرض واستظلوا بالسماء،
قِفوا حفاةً على طين الحقيقة الأول،
حيث الكلمة الأولى الطاهرة ،
وحيثما الصمت بداية المعنى،
فمن هناك فقط...
من ذلك المهاد البكر،
تحت مظلة الغيم،
حيث المطر يغسل رئة الحجر،
ويولد الناي من صدر القصب،
تبدأ قصة الوطن،
لا كحكاية تُروى،
لا كنشيد يُلَحَّن على عجل ليوم احتفال،
كخبزٍ في صمت الفجر،
للجائعين إلى معنى الحياة،
للعطشى إلى ماء لا يختلط بالرماد ..