حوار بلا شعب… وإقصاء يصنع أزمة جديدة

 

كتب: فارس العدني

 

لم يعد خافيًا أن المشهد السياسي يُدار اليوم بعقلية انتقائية ضيقة، تختزل الواقع في أطراف الأزمة نفسها، وتعيد تدويرها باعتبارها وحدها المؤهلة لصناعة الحل. وكأن اليمن، أو الجنوب تحديدًا، لا يضم سوى هذه القوى التي تصدرت الصراع، فيما يُدفع ببقية المكونات إلى هامش المشهد، خارج الحسابات، وخارج التأثير.

هذا ليس خطأً سياسيًا عابرًا… بل خلل بنيوي يُعاد إنتاجه بوعي كامل.

القوى التي تُدير الحوار اليوم لا تبحث عن شراكة حقيقية، بل عن تسويات مريحة مع الأطراف الأكثر ضجيجًا، حتى وإن كان ذلك على حساب قوى واسعة تمثل المزاج العام، لكنها لا تمتلك أدوات الضغط أو منصات التعبير. وهنا تتجلى المفارقة: من يملك الصوت يفرض نفسه، ومن يملك القاعدة يُقصى.

لكن هذه المعادلة ليست مستقرة… ولن تدوم. ففي مقابل هذا الإقصاء، تقف قوة صامتة، لا تظهر في البيانات الرسمية، ولا تُدعى إلى طاولات الحوار، لكنها موجودة في الشارع، وفي الوعي الجمعي، وفي المزاج العام. قوة لا تُقاس بحجم تمثيلها السياسي، بل بقدرتها الكامنة على التحول إلى فعل حين تتوفر اللحظة.

والتاريخ القريب يقدم الدليل.حين تحركت الجماهير في أبين ولودر، عبر مسيرات واضحة الرسالة، ولقاءات جماهيرية مباشرة، خرجت ببيانات قوية، لم يكن ذلك مجرد نشاط عابر، بل كان إعلان حضور، ورسالة بأن الشارع قادر على فرض نفسه حين يغيب التمثيل. مثل هذه التحركات، رغم بساطتها، تتجاوز في تأثيرها كثيرًا من المكونات التي تُدار عن بُعد، وتكتفي باجتماعات افتراضية لا تصنع واقعًا.

وفي المقابل، تستمر دوائر القرار في إعادة إنتاج نفس الوجوه، ونفس التوجهات، ونفس الاصطفافات، وكأن شيئًا لم يتغير. التعيينات تُفصّل وفق ميول طرف واحد، والترتيبات تُبنى بعقلية الإقصاء، دون أي اعتبار حقيقي لتنوع النسيج الجنوبي وتعقيداته.

 

وهنا تكمن الخطورة. لإن اي عملية سياسية تُبنى على هذا النحو، ليست سوى مشروع أزمة مؤجلة. لأن التوازن لا يُفرض بالقرارات، بل يُصنع بالتمثيل الحقيقي. وأي تجاهل للقوى الفاعلة على الأرض، حتى وإن كانت صامتة، هو تجاهل لواقع سيعود ليطرح نفسه بطريقة أكثر حدة.

ما يجري اليوم ليس حوارًا شاملًا… بل إدارة أزمة بأدوات ناقصة.

وإذا استمر هذا النهج، فإننا لن نكون أمام تسوية، بل أمام إعادة تدوير للأزمة، بصيغة جديدة، وبأطراف أضيق، وبمخاطر أكبر.

من يُقصي الآخرين اليوم… يصنع خصومه غدًا.

ومن يتجاهل الشارع… سيفاجئ به