تصحيحاً للتاريخ 1 المجلس التشريعي

كانت الأحكام الصادرة بحق المجلس التشريعي العدني أحكاما قاسية  صدرت من نفس انفعالية  وعلى خلفية تراث سياسي من الكراهية وعدم قبول الآخر بلغت حساسيته بافتقاد العقل كامل رشده وثمّ الحكم عليه من خلال تنظيرات ايدلوجية اتسمت بالمراهقة السياسية بلغت ذروتها في عصر حرق المراحل فأدُرج المجلس في خانة العمالة لدفع إستحقاقتها المتعالية وأحكامها القاصرة عن الفهم غير مستوعبة ظروف إنشاء هذا المجلس  وتطور أداءه من مجلس شكلي الى  مجلس صنع له حراكا وطنيا داخله بفعل الزخم الوطني الذي شكلته العناصر المنتخبة بالمجلس من مواطني عدن الذين كانوا صوتها وصدى انينها ونفسها الوطني داخل المجلس.. 
لم تكن الانتخابات عملية عبثية وضربا في الفراغ بل احدى قنوات الري في حقل الديمقراطية والممارسة المدنية التي تميزت بها عدن عن سواها في الجزيرة والخليج فكانت بمثابة رياح الأنفاس الطيبة للتغيير القادم التي ثمّ خنقه فيما بعد مع سبق الإصرار والترصد.. 
شفرة عدن في الماضي حياتها المدنية وتنوع العطاء الثقافي والمعرفي وسماحة أهلها امام التنوع العرقي ومخزون الحب الهائل التي يسري في مفاصل هذه المدينة سمح لها ان تكون حاضرة بين الامم..
فظاهرة الانتخابات في عدن في الستينات وماافرزته من مجالس تشريعية وبلدية ظاهرة محكومة بظروفها وملابساتها والنتائج التي حققتها فعلا على صعيد الممارسة الديمقراطية الحقة وليست تملئة شواغر وصناديق كيفما كان بقدر ماكانت حركة الى الامام بالاتجاه الصحيح وخبرة ثقافية وجينات للعمل المؤسسي الصحيح
ويمكن أن تكون محل انتقاد وهذا وارد لكن التجريح والتخوين والتمترس خلف رؤية احادية مسبقة كانت هي احد كوابح التأخر التي حول عدن من مدينة كمسوبوليتية بإمتياز  الى مدينة للصراع المناطقي من طراز جديد..
كان من أهداف المجلس التشريعي المحافظة على النسيج الخاص لمدينة عدن وتماسكه..لقد صاغ أبناءها وعبر مجلسهم المنتخب قوانين الغت بموجبها تلك القوانين المجحفة ومنها قانون فتح باب الهجرة الى عدن على مصراعيه التي اصدرتها سلطة بومباي الهندية عندما كانت عدن تتبعها اداريا وسياسيا  منذ بدء الاحتلال الانجليزي لعدن عام 1839م..وهذا كان سبباً في إشعال الشارع العدني ورفض هذا الربط التعسفي مما اضطر بريطانيا ان تعيد حساباتها وقررت الحاق عدن مباشرة بالتاج البريطاني ووضعها تحت وصاية وزارة المستعمرات البريطانية بشكل مباشر في 1936م ويعني ذالك طي صفحة وفتح اخرى أختفت فيها سلطة بومباي الى الأبد
اعتبارا من يناير 1957 أستمر الضغط الشعبي قويا لإجراء تحول في المسار العام لوضع عدن والمطالبة بانتخاب مجلس تشريعي لها وثمّ ذالك فعلا بإجراء إنتخاب المجلس التشريعي في أكتوبر 1964م تزامنا مع الانتخابات البريطانية.. الذي فاز فيها حزب العمال البريطاني.. 
افتتح الحاكم العام لعدن اول دورة  للمجلس التشريعي الذي يحتلّ موقعاً مميزاً حيث كان في الاصل كنيسة تسمى (القديسة ماريا) بُنيت عام 1871م..حيث امتلأت المقاعد بالوجوه العدنية المنتخبة وهذا يحدث لأول مرة اذ كان المجلس يقوم على التعيين وفي هذا حلحلة للاوضاع وإحداث ثغراتٍ في جدار الاحتلال لإجباره على تقديم التنازلات.. 
ان هذا التماهي بين انتخاب المجلس التشريعي والانتخابات البريطانية تدل على مدى حجية ومنطقية المشاعر الوطنية المتأججة في النفوس وبالتالي إعطاء رسالة ان إرادة الشعوب في التغيير قابلة للتحقق متى ماتوفرت الارادة والقيادة الناضجة التي تقرأ المرحلة قراءةً واقعيةً تضع الحصان قبل العربة وليس العكس
وهنأ قد يتبادر إلى الذهن كيف مجلس تشريعي تحت سلطة محتلة ؟ وفي هذا ليس عيبا فكثير من الدول مرت بالتجربة ذاتها في مصر وفي دول إفريقية عديدة كانت تحت الاحتلال البريطاني.. فان تتعامل مع الواقع وتحركه لصالحك افضل من تتحجر مكانك وتندب حظك.. فسياسة الأمر الواقع تجبرك ان تتعامل معه بشئ من الحكمة والسياسة الرشيدة..فالسياسة هي فن الممكن..
لم يكن الامر صوري او عملية امتصاص كما قد يبدو للبعض..فتفعيل الارادة الوطنية جاء من خلال التمتع بالاستقلالية النسبية للقرار بعيدا عن وصاية ورغبة المندوب السامي..ولعل اهم انجازات المجلس مناقشة وإقرار قانون تعدين الوظائف وقانون مكافحة الهجرة والسماح باكتساب الجنسية العدنية وفقا للمعايير التي تنطبق على الكل بما فيهم المقيمون بعدن لفترة طويلة حددها القانون..وهذا إنجاز بحد ذاته امام تعنت المحتل
  وأصراره على عدم الخوض في مناقشة مثل هذه الأمور في الاساس اضافة الى ادخال  العربية كلغة رسمية مثلها مثل اللغة الانجليزية..وهذا اعتراف بعروبة المنطقة..
 لقد قاومت العناصر الوطنية بالمجلس الشريعي بشراسة لدى مناقشة اتفاقية ضم عدن الى الاتحاد الفيدرالي في 24سبتمبر1962م واعتبرها قضية رأي عام تهم كل المواطنين ولاتعني فقط اعضاء المجلس..
  وكانت عملية مدروسة من الأعضاء الذين أرادوا تحييد المجلس والذهاب  بالموضوع الى الاستفتاء وامام هذا الأخذ والرد انهار المجلس..
اذن نحن أمام مجلس مثّل معظم أعضاءه رغبات المواطنين وتطلعاتهم نحو المستقبل..وظل المجلس في حالة من الاحتكاك مع تلك الصلاحيات الواسعة للمندوب السامي ورغبته الجامحة في التدخل في شؤون المجلس ومحاولة سحب اختصاصاته او على الاقل تجييرها لصالحه..وقد كانت القشة التي قسمت ظهر البعير عند إغتيال رئيس المجلس آرثر تشارلز  في أغسطس 1965م..فاوعز المندوب السامي لرئيس وزراء عدن السيد عبد القوي مكاوي وحكومته التي تشكلت في مارس 1965 م بإدانة الحادث فرفض المكاوي وحكومته ذالك رفضا قاطعا  وحدث تعاطف شعبي مع المكاوي وتحول إلى بطل قومي وكان ذالك إيذانا بتحول دراماتيكي شهدته عدن والمنطقة كلها زاده نضال الحركة الوطنية والنقابية اشتعالا..
نحن اذن امام حالة من المخاض التام ينبئ بحصول تطور لافت بالمشهد وان التطورات التي حصلت ساهم المجلس التشريعي لعدن بمواقفه الإيجابية ودوره الفعّال في خدمة القضية الوطنية على الرغم من حساسية مثل تلك المواقف حينها على أداء أعضاء المجلس..
لقد شكل المجلس احد مناصات التباري الوطني للأعضاء المنتخبين وكان محك لهم امام ناخبيهم.. ومن أهم المنعطفات في مسيرة المجلس الزحف عليه من قبل الجماهير في24/9/1962 م قبل ثورة 26 سبتمبر بيومين فقط وفي هذا إشارة إيجابية على التلاحم الوطني..وكان سبب الزحف الرفض الشعبي لمناقشة المجلس اتفاقية ضم عدن الى الاتحاد الفيدرالي.. فانسحب عددٌ من النواب وخاصة المنتخبين منهم.. وكان يوماً تاريخياً لعدن..
خلاصة الامر دعونا نقيم أداء مجلس عدن التشريعي بظروف الحياة السياسية والاجتماعية آنذاك وتحت الاحتلال المباشر..فالتقييم يجب أن يراعي معطيات الفترة ومتوالياتها التي وُلد فيها المجلس وقدرته على التحرك او على الاقل تحرك أعضاءه المنتخبين في ظروف بالغة الصعوبة..علينا في التقييم الموضوعي الاّ نكون أسرى لإنقسامٍ ذهني ونفسي يصيبنا بحالةٍ من الدوران التي تضيّق علينا  مساحة الرؤية وتجعلنا نعيش حالة من المتاهات وراء خداع الكلمات وتفسيرات نصوص النظرية (المقدسة)!!  التي تسقط مفاهيمها الجامدة على واقع متحرك فتكون مصدراً لتفخيخها وتدميرها..
عموما كان اداء المجلس إيجابيا وإن حاول المحتل تجييره وفقا لتقاطعات مصالحه واستطاع المجلس بفضل هذه العناصر الوطنية أن يتماهى مع أداء معظم المجالس المنتخبة  ديمقراطيا في العالم الحر.. فقد كانت موضوعاته تُدار وفقاً للأعراف والتقاليد العريقة وبشفافية واضحة مما أكسب عدن تراثاً عريقاً في اللعبة الانتخابية وكانت بحق  من ثمار المرحلة الاجمل التي عاشتها المنطقة وعدن بشكلٍ خاص فكان المجلس صوتها المسموع التي يشار إليه بالبنان..
فالتماهي مع الكلمات الغازية إن صحّ القول تتطاير بالهواء فتصبح عديمة الجدوى فتموت منذ اللحظة الاولى..
وأخيراً لقد حاول كهنة النظرية (المقدسة) وفرسان المعبد إمتشاق مناجل الوهم لزرع نظريتهم فكان الحصاد شوكاً ومُراً..

 ديسمبر 2018م