بين دجاجة برنارد شو ودجاجة الشاعر

    هنالك تشبيه ظريف لبرنارد شو يلخّص فيه محنة الكاتب وألمه في عملية الإبداع، إذْ يرى بأنّ الدجاجة تبيض صائحة والشاعر يبدع متألما. وبين الدجاجة والشاعر ولادة لكائنات حيّة تنهي مثل تلك الآلام المتوقعة في هذا “الحمل” الصعب بين روحين إحداهما بيولوجية طبيعية والأخرى ذهنية خيالية عابرة للبيولوجيا وآلامها المعروفة. وهاتان الدجاجتان؛ دجاجة برنارد شو ودجاجة الشاعر؛ تمثلان المخاض الصعب في الولادة في مثل هذه العملية المعقّدة التي تبدو في ظاهرها اعتيادية ومسلكية تقع ضمن مواصفات الطبيعة؛ لكنها عملية خلق وإبداع وابتكار، وإيداع الحياة بكائنات جديدة تختلف عن بعضها لتشكّل مظهرا من مظاهر التناسل الحي لديمومة الحياة.

    في دجاجة برنارد شو ثمة آلام المخاض والولادة العصيّة وهي عملية استمرارية متناوبة بين أجيال الدجاج وجيناتها الحيوانية لتبقى على قيد الطبيعة. وفي دجاجة الشاعر ثمة ما يسترعي التوقف والتعليق في شأن الكتابة ومخاضها وولادتها وصعوبتها أو سهولتها. ومعنى الشاعر هنا الكاتب والفنان في درجات الإبداع القصوى؛ شاعرا وروائيا ومسرحيا وفنانا تشكيليا وسينمائيا؛ وما يختزنه من مواهب وانفعالات وحساسيات وتجارب وخبرات وقدرات وخيالات وصناعة لغوية تخرج من شرنقتها المعتادة إلى آفاق أكثر قدرة على الخلق والابتكار.. حتى الولادة.

   أنّ مثل هذا الحمل الثقيل المخزون في الذاكرة من تلك الإرهاصات هو الجينات الأولية للولادة الإبداعية في مشقات الكتابة وتداعياتها الكثيرة، ومن ثم معطياتها الأساسية في الخلق والفرادة الشخصية، وهذا يعني أن مثل هذه الولادات هي فردية ولا يمكن أن تكون جماعية ذات صلة بالطبيعة البيولوجية، فالحمل هنا ومن بعده الولادة، هو تضمين استعاري لمشقة الإبداع في صبر الكاتب واختمار الأفكار لديه، وهو بيولوجيا افتراضية للمعاناة الدقيقة التي تُنتج أدبا خالصا يفترق عن غيره من النتاجات الأدبية في استخلاصه الحياة بمنظوماتها المتعددة، بطريقة الكتابة الإبداعية ذات الشخصية التي لا تشبه غيرها.

إنّ دجاجة برنارد شو محددة بزمنية موقوتة لتنتج بيضتها ولو بمحدودية وتكرار أوجاعها السريعة، بينما زمنية الكاتب مفتوحة على الأوجاع النفسية والعصبية والجسمانية في هضم الحياة من واقعها المباشر، ومن ثم تحويلها إلى طاقة خلاقة من لغة وخيال وخلق جديد يوازي الواقع إن لم يكن يتفوّق عليه إبداعيا، بإعادة صياغته على وفق ابتكار شكلي ومضموني يتخطّى عَتَبَة الواقع، ويؤسس لجماليات فنية قادرة على أن توفّر الحد المثالي ليكون المنتَج عالي الجودة والبقاء.

وهذا يقود إلى معنى الكتابة العميقة وما يقابلها من كتابة “سطحية” عابرة لا تُبقي أثرا ملموسا على صعيد الإبداع والخلق، لأنها ببساطة لغة سهلة. بلا هضم حياتي. بلا تجربة. حتى بلا أوجاع دجاجة برنارد شو ولا أوجاع الشاعر ولا أوجاع الكلمة والرؤيا وخيال الصورة وطاقة الابتكار المطلوبة في حيثيات الكتابة، على عكس الكتابة العميقة التي تتطلّب مثل تلك الطاقة في أقصاها وتوترها لتكون انطلاقة واسعة نحو الجمال والتفرّد ومن ثم البقاء الإبداعي الذي ما نزال نقرأه عند أساطين الشعراء والروائيين الكبار حتى اليوم.

ليست الكتابة العميقة نخبوية كما يظن البعض. بل هي شمولية فنية تستقصي أكثر من أثر اجتماعي وسياسي وإنساني، وبالتالي فهي ولادة جديدة تعبر تلك الآلام المطلوبة و(تضع) بيضة الخلق في الزمن الصحيح والمكان الصحيح. فتفترق عن الكتابة السهلة والبسيطة التي لا تمتلك تلك الأرضية المهيّأة للانبعاث الخلّاق ولا الولادة الحقيقية التي من شأنها أن ترتقي إلى أفق أكثر إشراقا ونجاحا. وهي التي استسهل كتّابها وعي الكتابة واشتراطاتها وقوانينها المتغيّرة مع الظروف الثقافية العامة شرقا وغربا. لهذا نجد؛ ومع شيوع وسائط الكتابة الإلكترونية المباشرة؛ مثل هذه الكتابات البرقية والفورية الخالية من ذلك العمق المعرفي والنفسي والتي تفتقر إلى تجربة القراءة العميقة وتجربة الحياة ومشتقاتها الضمنية في المعالجات الاجتماعية والسياسية والإنسانية.

سنلتقي مع الكتابة العميقة في تخصصاتها المتعددة؛ علما وأدبا وفنا وجمالياتٍ مختلفة؛ لاسيما في الجانب الفلسفي والعلمي والأنثروبولوجي والأسطوري والتاريخي والاجتماعي؛ وهذا أمر يُشعر القارئ بصعوبة استيعابه وهضمه، فالقراءة الناشطة هي جزء من الفاعلية الثقافية والعلمية العامة، مثلما هي فاعلية الكتابة في توجهاتها واختلافاتها وتقاطعاتها، على أن الأمر لا يقتصر على الأدبيات المتخصصة في علومها الكثيرة، بل يقترب الأمر كثيرا من السرديات والشعر، ومثالنا الأقرب هو رواية “عوليس” التي نفشل كثيرا في إتمام قراءتها. وينسحب القول على مجمل روايات جيمس جويس فـ”صورة الفنان في شبابه” مثال آخر على عسر القراءة. لكن كتابات جويس السردية تُعدّ من السرديات فائقة البلاغة والدقة. وهو نفسه قال عن عوليس: لقد وضعت في الرواية الكثير من الألغاز والأحجيات التي تترك الأساتذة في حالة من الانشغال بها عدّة عقود، ويناقشون بعضهم بعضا حول ما اقصده.

وهذا العمق الزمني والإبداع الخلاق ليس عفو الخاطر. بل هو تركيبة ناجحة من وعي الكتابة والامتلاء الثقافي والمعرفي والتفوّق على الذات برؤيا المستقبل الأدبي الذي يجعلنا عادة أن نقارن بين دجاجة برنارد شو ودجاجة الشاعر- الكاتب وهو يملأ الزمن بإبداعاته في بيولوجيا الكتابة التي تخرج من الأنا الشخصية وتطوف في الزمن الأدبي إلى الجماعة في شرق الكتابة وغربها.

ومثلما قال الجاحظ “قد يذهب الحكيم وتبقى كتبه ويذهب العقل ويبقى أثره”.

الكتابة عقل ناضج بالفعل.

                                                                                                                                                                   نقلًا عن العرب