عدن… حين يصبح الصبر موقفًا

 

ليست عدن مدينة فشلت،

ولا شعبًا عجز،

ولا تاريخًا انطفأ.

 

عدن لم تسقط لأنها لم تُمنَح أصلًا فرصة عادلة للوقوف.

 

منذ سنوات، والمدينة تُدفع إلى مقدمة المشهد كلما اشتد الخطر،

ثم تُعاد إلى الهامش كلما قُسّمت المكاسب.

تُستدعى باسمها حين يُطلب الصمود،

وتُنسى حين يُكتب القرار.

 

لم تكن عدن يومًا عبئًا على أحد،

بل كانت دائمًا الرئة التي يتنفس منها الجنوب،

والميزان الذي يكشف صدق المشاريع من زيف الشعارات.

 

ما تعيشه عدن اليوم لا يمكن اختزاله في كهرباء تنطفئ،

ولا في خدمات تتراجع،

ولا في أزمة عابرة تُحلّ ببيان أو لجنة.

 

ما يحدث أعمق من ذلك بكثير.

 

إنه تراكم طويل لسياسات تعاملت مع المدينة باعتبارها مساحة مفتوحة بلا إرادة،

وساحة اختبار للنفوذ،

ومكانًا صالحًا للدفع بالفوضى ثم مطالبة أهلها بالصبر.

 

لكن الصبر ـ حين يطول ـ لا يبقى فضيلة فقط،

بل يتحول إلى رسالة،

والمواقف المؤجلة تتحول مع الوقت إلى أسئلة أخلاقية وسياسية لا يمكن تجاهلها.

 

ورغم كل ما مرّت به عدن،

لم تنكسر روحها،

ولم تنجرّ إلى الفوضى،

ولم تفقد بوصلتها.

 

أهلها ظلّوا الأكثر حرصًا على السلم،

والأبعد عن منطق الانتقام،

والأصدق في الدفاع عن فكرة الدولة.

 

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة:

أن المدينة التي حمت الاستقرار، دُفعت ثمنًا له.

 

وفي خضم هذا المشهد المعقّد، برز الدور السعودي بوصفه عامل توازن مهم،

أعاد تسليط الضوء على جوهر القضية الجنوبية،

ووضع عدن في مكانها الطبيعي داخل أي مقاربة سياسية جادة.

 

لم يكن الحضور السعودي انحيازًا لطرف،

بل انحيازًا لفكرة الاستقرار،

ولمنطق الحل العادل،

ولضرورة ألا تُبنى التسويات فوق المظالم.

 

لقد أكدت المملكة، عبر مواقفها السياسية ورؤيتها الإقليمية،

أن عدن ليست تفصيلًا يمكن تجاوزه،

ولا ملفًا يُرحّل،

بل حجر أساس لا يقوم أي مشروع بدونه.

 

واليوم، تقف القوى الجنوبية والنخب السياسية أمام اختبار حقيقي:

إما أن ترتقي إلى مستوى اللحظة،

وتتعامل مع عدن كقضية مركزية لا كورقة تفاوض،

أو أن تستمر في الدوران داخل ذات الحلقة التي أرهقت الجنوب وأهدرت فرصه.

 

عدن لا تطلب امتيازًا،

ولا تبحث عن استثناء،

بل تريد حقها الطبيعي:

أن تكون شريكة في القرار،

وحاضرة في رسم مستقبلها،

ومحمية من العبث باسم السياسة.

 

فعدن لم تفشل…

بل فشل من ظنّ أن بإمكانه تجاوزها.

 

وعدن لن تكون يومًا هامشًا،

لأن المدن التي صنعت التاريخ لا تقبل أن تُدار بالصدفة.

 

سيأتي يوم تُستعاد فيه مكانتها،

ليس بالضجيج،

بل بالعدل.

 

ولأن للحق صوتًا،

وللتاريخ ذاكرة،

وللشعوب إرادة…

 

ستبقى عدن،

ميزان الصدق،

وآخر ما يسقط إن سقطت المشاريع.

د.الشاذلي فضل مجلي 

رجل دولة وباحث في الشأن الدبلوماسي والسياسي اليمني