فارس العدني
تتعامل النخب السياسية في الشمال مع ملف الجنوب بمنطق مزدوج؛ فهي من جهة ترفض الاعتراف بحق الجنوبيين في إدارة شؤونهم أو تقرير مستقبلهم السياسي، ومن جهة أخرى تعمل بصورة ممنهجة على تفكيك الجنوب إلى مسارات متنافسة، واستخدام بعض الجغرافيا، وفي مقدمتها حضرموت، كورقة ضغط في صراع النفوذ مع النخبة الجنوبية.
هذا السلوك لا يستهدف فقط تعطيل أي مشروع وطني جامع، بل يسعى إلى إعادة إنتاج الهيمنة السياسية بأدوات جديدة تقوم على تفكيك الداخل بدل مواجهته بشكل مباشر.
وانطلاقًا من ضرورة تحصين القرار الوطني الجنوبي وقطع دابر التدخلات الخارجية في شؤونه، يبرز خيار اعتماد مسمى “دولة حضرموت الاتحادية” للجنوب، بوصفه إطارًا سياسيًا جامعًا يتجاوز الاستقطابات التاريخية المرتبطة بمسمّى “الجنوب العربي”، ويؤسس لهوية دولة حديثة قائمة على المواطنة والشراكة والتوازن الاتحادي.
وفي هذا السياق، يمكن إطلاق مرحلة انتقالية جنوبيه تُمنح فيها قيادة حضرمية توافقية مسؤولية إدارة الدولة ورئاستها وحكومتها لفترة تأسيسية محددة، تُكرّس خلالها لبناء المؤسسات، وترسيخ الاستقرار، وإعادة صياغة العقد الوطني الاتحادي، بما يعزز الثقة بين المكونات الجنوبية كافة، ويغلق منافذ الاستثمار السياسي الخارجي في الانقسامات الداخلية.
وعقب استكمال المرحلة التأسيسية، تُفتح آفاق التداول الديمقراطي للسلطة عبر انتخابات حرة، أو يُعاد تقييم التجربة وفق معايير الأداء والشرعية الشعبية والمصلحة الوطنية العليا.
إن اعتماد هذا المسمّى لا يعني إلغاء التاريخ أو الهوية الجنوبية، بل الانتقال من منطق الشعارات إلى منطق الدولة، ومن إدارة الصراع إلى بناء الاستقرار، ومن التنازع الجغرافي إلى الشراكة الاتحادية الرشيدة.