ثقافة القطيع

فارس العدني

 

ابتُلي الجنوب، عبر مراحل طويلة من تاريخه السياسي، بثقافة القطيع؛ تلك الحالة التي يتحول فيها الإنسان من كائنٍ يفكر ويوازن ويُراجع، إلى تابعٍ يركض خلف الشعارات والانفعالات دون إدراكٍ لعواقب الطريق الذي يُساق إليه. مشهدٌ يشبه حلبة مصارعة الثيران؛ تُرفع فيها خرقة حمراء، فتندفع الجموع نحوها بعاطفةٍ عمياء، بينما يعلو التصفيق كلما ازداد الاصطدام والدمار.

 

في الماضي، كانت تلك “الخرقة الحمراء” تتمثل في شعارات من قبيل: «لا صوت يعلو فوق صوت الحزب»، فقاد ذلك الجنوب إلى موجاتٍ من الإقصاء والتخوين والتصفيات السياسية والاجتماعية، تحت مسميات: الرجعية، والإقطاعية، والارتزاق، والخيانة، والانحراف. سال الدم الجنوبي يومها بغزارة، ولا تزال آثار تلك المراحل حاضرة في الذاكرة والوجدان حتى اليوم.

 

لكن المؤسف أن العقلية ذاتها لم تغادر المشهد، وإن تبدلت الشعارات واللافتات. فقد ظهر جيلٌ جديد أعاد إنتاج الثقافة نفسها، عبر احتكار تمثيل الجنوب، وادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، وتخوين كل من يخالفه أو يطرح رؤية مختلفة. وتحولت القضية الجنوبية، التي يفترض أنها قضية شعب وهوية وحقوق، إلى أداة للمزايدة السياسية والتعبئة العاطفية.

 

لقد وقف كثير من العقلاء والقيادات الجنوبية، خلال السنوات الماضية، في محاولة لإيجاد حلول عادلة ومنصفة للقضية الجنوبية، تحفظ كرامة الجنوبيين وحقوقهم، وتمنع انزلاق الجنوب نحو مزيدٍ من التمزق والصراعات. ومن أبرز تلك المحطات ما خرج به مؤتمر القاهرة بقيادة الرئيسين علي ناصر محمد وحيدر أبو بكر العطاس، والذي طرح مشروع الفيدرالية من إقليمين يعقبه استفتاء لتقرير المصير، باعتباره حلاً سياسياً متدرجاً يوازن بين الواقع والطموح.

 

غير أن تلك الجهود ووجهت بحملات تخوين وتجييش مناطقي واسعة، رفعت شعارات من قبيل «الاستقلال الناجز»، ليس بهدف بناء مشروع سياسي واقعي، بل لتعطيل أي مسار لا يخضع لهيمنة جماعة بعينها. واستمرت سياسة تعبئة الشارع ضد كل الأصوات الجنوبية المخالفة، حتى أصبح مجرد الاختلاف في الرأي يُصوَّر على أنه خيانة للقضية.

 

وفي مؤتمر الحوار الوطني، عاد المشهد ذاته ليتكرر. فقد طرح محمد علي أحمد رؤية تقوم على فيدرالية من إقليمين وتقاسم متكافئ للسلطة والثروة، ثم انسحب عندما لم تتحقق شروطه. بينما واصل آخرون، وفي مقدمتهم ياسين مكاوي واخرين انتزاع مكاسب سياسية مهمة للقضية الجنوبية ضمن إطار الدولة الاتحادية، بما في ذلك الشراكة والمناصفة.

 

كما لا يمكن إغفال الدور الذي لعبه عبدربه منصور هادي في فرض القضية الجنوبية على طاولة الحوار الوطني، عبر إصراره أمام المبعوث الأممي جمال بن عمر على اعتبار القضية الجنوبية مفتاح الحل للأزمة اليمنية برمتها.

 

لكن القوى التي كانت ترفع سقف الشعارات الثورية رفضت تلك الحلول، واعتبرتها لا تعنيها، بينما كانت في الحقيقة تفتقر إلى مشروع سياسي متكامل أو رؤية استراتيجية واضحة، وتعتمد أساساً على الخطاب العاطفي والتعبئة الجماهيرية.

 

واليوم، وبعد سنوات من المزايدات والشعارات، تكشف الوقائع حجم التناقض بين الخطاب والممارسة. فالقوى التي كانت تهاجم كل من يقبل بالشراكة أو الحلول المرحلية، شاركت لاحقاً في السلطة ضمن مجلس القيادة الرئاسي، وأصبحت جزءاً من المنظومة السياسية التي كانت تصفها سابقاً بالاحتلال أو الشراكة المرفوضة.

 

بل إن الخطاب تغيّر بصورة لافتة؛ فمن شعار «الاستقلال الناجز» إلى الحديث عن “مسار خاص للقضية الجنوبية يُناقش بعد حل الأزمة اليمنية”، وهي صيغة سياسية تعكس عملياً تراجعاً عن الخطاب السابق، ومحاولة لتبرير البقاء في السلطة أكثر من كونها مشروعاً واضح المعالم. وفي السياسة، كثيراً ما تُستخدم مثل هذه الصياغات كأدوات للتمويه وإعادة تدوير الشعارات بما يخدم الواقع الجديد، لا بما يحقق تطلعات الناس.

 

والمشكلة هنا ليست في الواقعية السياسية أو مراجعة المواقف، فذلك أمر طبيعي في العمل السياسي، بل في التضليل الذي مُورس على الناس لسنوات، وفي حملات التخوين والإقصاء التي استهدفت كل من طرح ذات الأفكار التي يجري القبول بها اليوم بصورةٍ أو بأخرى.

 

ثم جاءت أحداث حضرموت والمهرة لتكشف جانباً آخر من الأزمة؛ حيث أدى الإفراط في استخدام القوة، ومحاولات فرض الهيمنة والإقصاء، والتعامل مع بقية المكونات الجنوبية بعقلية الوصاية والتخوين، إلى توسيع فجوة الرفض الشعبي والسياسي، ليس فقط في مواجهة الخصوم، بل حتى داخل البيئة الجنوبية نفسها.

 

لقد أثبتت تلك الأحداث أن الجنوب أكبر من أن يُختزل في مكوّن واحد أو قيادة واحدة أو خطابٍ واحد، وأن سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة أو التعبئة المناطقية لا يمكن أن تبني مشروع دولة أو قضية وطنية جامعة. فالقضايا العادلة لا تُحمى بالتخوين، ولا تُدار بالعقلية المليشياوية، ولا تُبنى على إقصاء الشركاء.

 

إن أخطر ما أنتجته ثقافة القطيع ليس فقط الانقسام السياسي، بل تعطيل العقل النقدي لدى الناس، بحيث يتحول الولاء للشعار إلى بديل عن التفكير، ويصبح القائد فوق النقد، والخطأ حقيقةً لا يجوز الاقتراب منها.

 

ورغم كل الوقائع والمتغيرات التي شهدها الجميع، ستظل هناك محاولات مستمرة لتزييف الوعي، وإعادة إنتاج الخطاب نفسه بأشكال جديدة،غير أن الحقيقة تبقى أوضح من أن تُخفى، والتاريخ، مهما جرى العبث به، لا يرحم من يكرر الأخطاء ذاتها ثم يطالب الناس بالتصفيق لها من جديد.