رحلة في رحاب الفن اللحجي

                                                                                    د. جمال السيد

طرب لحجي: 

حبيبي غاية المقصود

كلمات: صالح فقيه

 لحن وغناء: الموسيقار فضل محمد اللحجي، وفيصل علوي

     كان العهد العبدلي عهد حريّة وحب، وطرب وشرب. أبدع العبادلة في الشعر وفي الهوى، كما برزوا في الزراعة وفي الدين. أنشأوا المساجد، وأقاموا السدود ، ونظموا القصائد، وبحثوا في أصل الوجود. احترموا الرأي والحرية الفكرية ، وشرّعوا القوانين ووضعوا (الدستور اللحجي)، وأقاموا المحاكم الكلية والاستئنافية، والمحاكم الزراعية. أنشأوا المدارس وانتدبوا لها معلمين من مصر والسودان، وأوفدوا الطلاب إلى مصر والكويت والهند ولندن وبلغاريا... أكرموا مستخدميهم وعلموهم وما بخلوا عليهم بالألقاب، كل بما يستحق. آخى العبادلة بين التفاح اللبناني والعَنْب الهندي، وجمعوا بين الشرق والغرب في الملبس وفي التفكير. حريّة وأصالة في الرأي والحكمة، بساطة في التعامل ويسر في المعتقد، وبهم نفحات مباركة استمدوها من ربّهم الغفار الرحيم . هنا لحج .. خضارٌ وجنانْ، وقصيدٍ وألحانْ، وقيانٍ وغلمانٍ وَوِلْدَانْ عجِّ بهم قصر السلطان. وفي رُدهة القصر مجلسان: إفرنجيّ وعربي وبينهما طاولة تفصل الفونغراف عن البخاري، وتقرِّب الزائر من الأخير. كسّر الأتراك الجلف الغلف مجامر لحج فأحرق العبادلة البخور في شِقَاف الأباريق. جاءوا من الهند بالغروس، وأعجبتهم العمامة الهندية فاتخذوها شعاراً وملبساً. رأوا الهنود يرقّصون بالنغم الثعابين، فتعاهدوا على أن يرقّصوا البشر والشجر والحجر؛ فجادت قريحة الأمير عبدوه عبدالكريم بـ" مرقّصة الحجر، ومُركّزة الشعَر". وقاومت (طهرور) وأبي (النُّفَيلي) التخلي عن شعوذته، وحرم أهله من الماء ومن الهوى، وكان في الأرض جدبٌ، وكان في النفس خواء .. وخرجت النسوة وقت " السحور "، بكباش عور ، يقرعنَ في الصدور ، حاملات جعاباً ملأى بالبيض و الحلويات والتمور إلى راس الوادي لملاقاة (فَرْهُود) .. وازدادت الحالة سوءاً ، فكان على قمندان العساكر أن يتصرف ؛ فأصدر (أحمد) فرمانه السلطاني ، مجده الذي ترك فيناً دويّاً كأنما "تداول سمعَ المرءِ أنْمُلُهُ العشرُ ":        حلال العشق لاهل الهوى وا مَنْ معه زين حبّه * يسوِّي له قشاقشْ ولبَّه هي نفس دعوة Marvell إلى الحب ، والدعـوة إلى الحب دعوة إلى الحيـاة؛ تردد صداها في روح ربيب العبادلة الشاعر صالح فقيه فقال: حبيبي غاية المقصود:  

صبــاح الخير من بـدري

عليك يا غصن يا رغـدود معك بصرح معك بسري

معك يا بو العيـون السود سَمَر لا مطلـــــــع الفجر

على المغنى وصوت العود خفا من غير حــد يـدري

ولا شــاهـــد ولا مشهـود                

               *    *    *

متى ترضى وتـــرضيني

وتسمح يا حيــاة الروح فمـن غيـــــــرك يسلّيني

ويشفـي قلبي المجروح مسامَــــحْ بالـــــذي فيني

إذا واصلتنـي مسمـوح كفى بُعــدي كفى هجـري

تجمّــــل يا حبيبـي عـود                   

                         *    *    *

ويبقى العهــــد ذي بيني

وبينـــــك دوب ما عشنا كــــــأنّك يا ضياء عيني

ضيا اليسرى مع اليمنى وقــــربــــك بس يكفّيني

وتبقــــــــى خلّهـــا تفنى مرغـــدد فــــاتني يغري

ومثلهْ في البلــــد مفقود                  

                                *    *    *

حبيبي جــــاء من الجنة

منـزل مـــن بنات الحـور نزل بايعلـــن الهــدنه

  على اللي في هواه مأسور سقاني الريق من بدري

وريقـه خمـــــرة العنقود  

الشاعر: صالح أحمد فقيه ( 1905 ــ 1978 ). من مواليد منطقة حبيش من أعمال إب. نشأ الشاعر يتيماً. أتى لحجاً قبل الحرب العالمية الأولي وعمره يربو عن العاشرة فتكفله الأمير علي بن أحمد بن علي محسن العبدلي قبل أن يُنَصَّبُ سلطاناً على لحج ؛ ثم لم تمكث ولايته سوى سنة وبضعة أشهر, حيث قتل، كما قيل ، عن طريق الخطأ على أيدي الإنجليز المتربصين بالأتراك المهاجمين سنة 1915م وهو في طريقه إلى عدن , لكن أبناء السلطان لم يتخلوا عن صالح فقيه بل ظل فيهم حتى عام الاستقلال 1967م. عندما حضر صالح فقيه إلى لحج ، كان ملّماً بالقراءة والكتابة فترعرع في كتاتيب لحج وأروقة جوامعها ، وأزداد علماً ومعرفة، ولذكائه اللماح تميز عن أقرانه.. يُعدّ صالح فقيه واحداً من ابرز شعراء لحج في الربع الأول من القرن العشرين وقد كان له موقفاً وطنياً وقومياً متقدماً من قضايا شعبه وأمته. قال الشعر يافعاً. شعره سياسي غالبه يدور في المديح، والحكمة ؛ وله بضع قصائد غنائية أهمها:

"( يا ضارب الرمل) و(سقى الله روضة الخلان).

     تزوج غير أنه لم ينجب. توفي في تعز عام 1978م وفيها قبره”.

   جمع أدباء لحج شعره وأصدروه في عام 2013م: (ديوان صالح فقيه ــ إعداد: كرد والدرزي والأرضي ومنيعم).

    صدر عن دار جامعة عدن.  المطرب والملحن: الموسيقار فضل محمد اللحجي ( 1922 ــ 1967 ). ولد بمدينة الحوطة  عاصمة محافظة لحج. تلقى مبادئ القراءة والكتابة والعزف على آلة العود على يد أبيه. ثم تعهد الأمير القمندان، باني النهضة الفنية بلحج، به وبزميله مسعد بن احمد حسين، وجعل منهما مطربين مشهورين في اليمن وخارجها. وقد تفرّد فضل محمد في تطوير بعض ألحان القمندان وبعض ألحان التراث بالإضافة إلى ابتداعه لألحان جديدة فحافظ على مدرسة القمندان وأضاف إليها. ويُعد فضل أفضل عازف على آلة العود في جزيرة العرب، وأكبر مطربي اليمن. عُرف ببساطته وتعاونه ومحبته للناس وعزّة نفسه. من ألحانه: (طاب السمر يا زين) ، (البدرية) و(سال لِحْسان) للقمندان؛ و(سرى الليل يا خلان) و(يا عيدوه) و(بانجناه) لسبيت؛ و(سقى الله روضة الخلان) لصالح فقيه؛ و(أخاف) و(قضيت العمر) لصالح نصيب.. وغير ذلك كثير. جمع الشاعران عيسى ونصيب سيرة حياته في كتاب: (فضل محمد اللحجي: حياته وفنه)، دار الهمداني عام 1984م. توفي في 3 فبراير 1967م ودُفن بالحوطة. 

    المطرب: فيصل علوي سعد ( 1949 ــ 2010 ). ولد بقرية (الشقعة) مديرية تُبَن محافظة لحج. احترف الغناء صغيراً بالتحاقه بالندوة الموسيقية اللحجية في العام 1959م بمعية كبار شعراء لحج ومطربيها. ومنها صدح بأولى أغانيه (أسألك بالحب يا فاتن جميل) من شعر أحمد عباد الحسيني ولحن صلاح ناصر كرد و (ورا ذي العين ذي تدمع) كلمات عوض كريشة ولحن صلاح كرد.. تميّز بعزفه الجميل على العود، وبصوته الجهوري الأخّاذ. صوته كثير الأفانين ، فيه شجىً وشجنٌ يبيد ، لذيذ في جوابه والقرار. فيه نَفَس رجولي جليل ، وفيه نغمٌ أخّاذ تميحُ فيه المعاني وتتركّح. بعد وفاة أستاذه الموسيقار فضل محمد اللحجي، غطّت شهرة (أبو باسل) كل جزيرة العرب، وغدا مطرب الجزيرة الأول بلا منازع. غنى في القاهرة وبيروت ولندن، وطاف أصقاع المعمورة يحمل شعراً ونغماً صافياً ضافياً، ومحبة وسلاماً. لقد كان أحد أعمدة الأغنية اللحجية في دورها الثالث. كتبنا عنه كتاب:(المقامة اللحجية: نحن للطرب عنوان). توفي في عدن في 7 فبراير 2010م.

من مدونة الكاتب

الأكثر زيارة