المهرة.. جيل على الحافة: لماذا يختار الشباب العسكرة ويهجرون الجامعة؟

          كتب/ محمد حسنين حيمد

   في محافظة المهرة، أقصى نقطة في شرق اليمن، لم يعُد الحلم يمر بالضرورة من بوابة الجامعة.

  ففي الوقت الذي كانت فيه الشهادة الجامعية تمثل تتويجًا لمسيرة تعليمية ومدخلاً لمكانة اجتماعية مرموقة، بات المشهد اليوم يحكي قصة مختلفة.

   يتجه جيل كامل من شباب المهرة بشكل متسارع نحو السلك العسكري والأمني، تاركين خلفهم الكتب والقاعات الدراسية.

   هذا التحول الجماعي ليس مجرد خيارات فردية عابرة، بل هو مؤشر صارخ على تحولات عميقة في البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمحافظة.

   فما الذي دفع هؤلاء الشباب إلى هذا المفترق الحاسم؟، وكيف سيكون وجه المهرة غدًا إذا استمر نزيف العقول لصالح الثكنات؟

             ° المشهد العام.                 حين تصبح الثكنة هي الفرصة الوحيدة، تُظهر البيانات والإحصائيات الموثقة في محافظة المهرة تدنيًا مخيفًا في نسب الإقبال على التعليم العالي مقارنة بالأعوام السابقة، فبينما تسجل كشوفات التخرج في الثانوية العامة مئات الطلاب، تكشف سجلات "جامعة المهرة" أن نسبة كبيرة من هؤلاء الخريجين لا تستكمل مسارها الأكاديمي، بل تتجه مباشرة صوب مراكز التجنيد.

   وتشير هذه الإحصاءات إلى أن كفة "الالتحاق بالسلك العسكري" باتت هي الأرجح بمراحل؛ حيث يفضل أكثر من 60% إلى 70% من خريجي الثانوية والجامعة (في بعض المديريات) الوظيفة العسكرية الفورية على انتظار "سراب" الوظيفة المدنية، وهو ما يضع العملية التعليمية في مواجهة مباشرة مع خطر "الإخلاء القسري" للعقول لصالح الميدان.

   في هذا السياق، يقول مدير مكتب الخدمة المدنية في محافظة المهرة، الأخ عبدالحكيم التميمي: "شهدت محافظة المهرة خلال السنوات الأخيرة خيرًا كبيرًا من شبابها خريجي الجامعات ذوي التخصصات المميزة في المجالات التربوية والصحية والإدارية والمحاسبة والإعلام وغيرها، وذلك بفضل الجهود التي تبذلها السلطة المحلية بقيادة الأخ محمد علي ياسر، محافظ المحافظة، وتقديم الدعم السخي لخريجي الثانوية العامة لمواصلة دراستهم الجامعية في الداخل والخارج.

   لكن، نظرًا للوضع الاقتصادي الذي يمر به الوطن، وعدم الاستقرار المالي، واعتماد موازنتي السلطة المحلية والمركزية من قبل الحكومة، وتخصيص درجات وظيفية لكل محافظة منذ عام 2013م، وعدم النظر في إعادة هيكلة الأجور والمرتبات بما يتناسب مع تغيرات سعر صرف العملة المحلية والوضع المعيشي، نلاحظ عزوفًا كبيرًا.

   فعلى الرغم من جهود السلطات المحلية في المحافظات المحررة، ومنها المهرة، لإجراء تعاقدات داخلية لاستيعاب الخريجين، إلا أن الشباب أصبح يعزف عن الوظائف المدنية التي تبلغ مرتباتها حوالي ستين ألف ريال يمني، مضافًا إليها حافز قدره عشرون ألفًا، ليصبح المجموع ثمانين ألفًا. وبدلاً من ذلك، يتجهون إلى السلك العسكري للحصول على مرتبات أعلى تصل إلى 1000 ريال سعودي (ما يعادل خمسمائة ألف ريال يمني أو أكثر) مع الحوافز.

   بعضهم لا يزال محتفظًا بالوظيفة التعاقدية لدينا، ومارس ازدواجًا وظيفيًا لصعوبة المعيشة والحصول على أكثر من دخل، مما تسبب في حرمان شباب آخرين من الالتحاق بالسلك المدني حتى يومنا هذا.

   نتطلع من الجهات الحكومية إلى النظر والإسراع في حل هذه المعضلة، وتوحيد هيكلة الأجور والمرتبات في السلكين المدني والعسكري، حتى يتمكن شبابنا من العيش الكريم، وتحسين وضعهم المعيشي، والمضي قدمًا في تنمية المحافظة والنهوض بها نحو مستقبل مشرق.

  " بين مطرقة الفقر وسندان البطالة.. ولو تسألنا لماذا يهجر الشباب الجامعة؟.                                     ربما نجد أن العوامل الطاردة من الجامعة؛ كون البعض يرى منهم أن الشهادة الجامعية أصبحت بلا قيمة.

    بين حلم المحاسبة وواقع "البزة العسكرية":                               حكاية طموح أوقفه الراتب في ممرات جامعة المهرة، كانت أحلام عبدالله (23 عامًا) ترسم ملامح مستقبله كمحاسب ناجح، لكنها لم تتجاوز عتبة المستوى الثاني.

   وبغصة يملؤها الاعتزاز بالشهادة والأسى على التخلي عنها، يروي عبدالله قصة "الهروب من الجامعة" إلى الميدان: "أعتز وأفتخر بالشهادة الجامعية، لكن الواقع الأليم أجبرني على الوقوف في منتصف الطريق."

   لم يكن التقصير الأكاديمي هو السبب، بل كانت الحسابات الواقعية هي المحرك.

    ففي بلد يملأ فيه الخريجون العاطلون المقاهي، أدرك الشاب أن الشهادة المدنية قد لا تمنحه "الحياة الكريمة" التي ينشدها.

   يرى عبدالله أن القطاعين العام والخاص لم يعودا ملاذًا آمنًا للشباب الطموح، بسبب ندرة الفرص التي تليق بالمؤهل العلمي، والرواتب الزهيدة التي تعجز عن بناء مستقبل أو إعالة أسرة، بالإضافة إلى النماذج السابقة من الخريجين العاطلين التي أصبحت "رسائل تحذير" حية.

   في ظل هذا الانسداد، وجد عبدالله في السلك العسكري نافذة بديلة، ليس حبًا في السلاح، بل بحثًا عن الأمان المادي.

   يختتم حديثه بنبرة واقعية حزينة:  "أردت إكمال تعليمي، لكنني أعرف كيف سيكون الغد.. وهذا ما أخبرنا به الواقع."

     شهادة في "الإدارة" ووظيفة في "الميدان":                                 عندما تصبح الواسطة سقفًا للطموح أما عوض، الذي يحمل شهادة البكالوريوس في إدارة الأعمال، فيحمل معها خيبة أمل تفوق سنوات الدراسة الأربع.

   لم تكن الليالي التي قضاها بين دفات الكتب مجرد تحصيل علمي، بل استثمارًا في حلم تبخر لحظة التخرج، ليرتدي اليوم البزة العسكرية.

   يفتح عوض قلبه قائلاً: "السبب الأساسي هو الفجوة الهائلة في المرتب الشهري، الوظيفة الحكومية المدنية اليوم لا تمنحك حياة كريمة، ولا تمكنك من تكوين نفسك أو إعالة أسرتك.

   إنه أمر يبعث على الأسى أن تهدر سنوات عمرك في الدراسة، ثم تجد مبتغاك بعيد المنال.

    " لم تكن مجرد توقعات، بل تجربة عاشها حين عمل في إحدى الإدارات الحكومية واصطدم بواقع مالي مرير.

   وما زاد من مرارته ليس ضعف الرواتب فقط، بل "التحطيم النفسي" الناتج عن غياب المعايير، وسلطة "الواسطة" التي تمنح الأولوية لأبناء المسؤولين وذوي النفوذ، والفساد المستشري الذي يصطدم به كل خريج مكافح لا يملك "ظهرًا" يحميه.

   يختتم عوض حكايته بكلمات تلخص وجع جيل كامل:  "الحمد لله على كل حال، لكنه فساد يواجهه الخريجون في حاضرنا بكل أسف."

  ° العوامل الجاذبة للعمل العسكري: راتب اليوم قبل غدٍ في المقابل، يقدم القطاع العسكري ما يعجز عنه القطاع المدني: راتب ثابت في نهاية الشهر، تأمين صحي محدود، معاش تقاعدي، وحياة كريمة.

   لكن الأهم، كما يوضح الباحث الاجتماعي السنح القميري، هو توفير خصائص "الوظيفة الكريمة": · الاستقرار الوظيفي، دخل ثابت لمعيشة كريمة، مكانة اجتماعية محترمة، أمان وظيفي وتأمينات،  فرص تطور واضحة، وتوازن بين الحياة والعمل.

   يضيف القميري: "في السابق، كان التوجه إلى الوظيفة المدنية أو الأكاديمية يمنح الاستقلال الفكري والاستقرار الاجتماعي، لكن في الوضع الراهن هناك تحول نحو الوظيفة الأمنية لسببين رئيسيين: التثبيت الرسمي السريع مقارنة بالعقود المؤقتة، والمرتبات والمزايا الأعلى، الحاجة والأمان الاقتصادي يسبقان تحقيق الذات في هرم ماسلو.

  من اللافت في المهرة العزوف الكبير عن الالتحاق بالجامعات، مما أدى إلى إغلاق الكثير من الأقسام لعدم الإقبال عليها، بل إن الكثير من المخرجات الأكاديمية لم تتجه لتخصصاتها المهنية في القطاع المدني رغم حاجة المحافظة، بل توجهت إلى السلك العسكري بعد خضوعها لدورات تأهيلية أكاديمية في مجال التخصص، وحصولها على رتب وتخصصات عسكرية إلى جانب تخصصاتها الأصلية.

   " ما وراء الراتب.                     البعد السياسي والأمني للظاهرة لا يمكن فهم هذا التحول الجيلي بمعزل عن السياق السياسي الأوسع. فمحافظة المهرة، التي كانت لسنوات طويلة هادئة ومنسية، وجدت نفسها محط أنظار إقليمية ودولية نظرًا لموقعها الاستراتيجي على بحر العرب، مما يخلق بيئة خصبة للتجنيد.

   يشير الخبير السياسي علي سالم باكريت إلى أن هذه الظاهرة تحمل "تخريبًا ممنهجًا للعملية التعليمية" تقوم به بعض القوى الخارجية عبر أجندة داخلية موالية لها، قائمة على زعزعة الاستقرار، ويلاحظ إذلال المعلمين من خلال ضآلة مرتباتهم وعدم صرفها لأشهر، مما يضطرهم للبحث عن دخول إضافية أو الانشغال بهموم تقلل من جودة إنتاجهم، بالإضافة إلى عدم ربط المخرجات التعليمية بسوق العمل والحاجة الحقيقية للأعداد المطلوبة سنويًا، كذلك نلاحظ عشوائية التخصصات بفتح كليات في اختصاصات (كاللغة العربية والدراسات الإسلامية والعلوم الاجتماعية) دون حاجة حقيقية، بينما تقل المخرجات في العلوم التطبيقية الحديثة كالطب والفيزياء والكيمياء والرياضيات، إلى جانب تسلية وتحقير التعليم من خلال الفارق الشاسع بين ما يتقاضاه جندي مرافق لمسؤول (بعملة سعودية أو إماراتية) وما يتقاضاه المعلم.

ويمضي باكريت بالقول "عليك أن تقيس الأمور من خلال التخصصات التي لم يجد أصحابها عملاً وظلوا يعملون في البوفيهات لعشرات السنين، من هنا، لا يرغب الجيل في الالتحاق بالتعليم لأنه لا يجد وظيفة عند تخرجه.

     مهرة الغد.. محافظة بلا كادر متخصص؟.                                     إذا استمر هذا المنحى، فما هو شكل المهرة بعد عقد من الزمن؟.           يعرب الباحث الاجتماعي السنح القميري عن قلقه من عدة آثار، منها التنمية البشرية. يخشى من "تكريس ثقافة الكادر المسلح" على حساب التخصصات النوعية.

   ويتساءل فمَن سيدير المستشفيات والمدارس ويخطط للمشاريع إذا كان أفضل العقول يتجه نحو الوظيفة الأمنية؟ هذا يترك البلاد بلا كادر بشري مؤهل ولا خبرات ولا كفاءات. كما أن النسيج المجتمعي يخشى من خلق تفاوت طبقي جديد تتركز فيه المكانة الاجتماعية والاقتصادية في أيدي من يرتدون الزي العسكري، مما قد يخلق توترات أو يعيد إنتاج النخبة بطريقة أحادية.

  °دموع التخرج وجفاف الرواتب: صرخة أب يرى "العسكرة" ملاذًا وحيدًا لأبنائه في زاوية منزله، يرقب أبٌ لخمسة أبناء ملامح الخيبة على وجوه ثلاثة منهم. من أراد لهم أن يكونوا "بناة الوطن" بالعلم، وجد أن العلم في وطنه لا يطعم خبزًا.

   يرسم الأب خارطة طريق تنتهي كلها عند طريق مسدود، فالابن الأول يحمل بكالوريوس إدارة أعمال، لكن راتبه الحكومي "الزهيد" لا يكاد يغطي تكاليف المواصلات، والابن الثاني ما زال يدرس في جامعة حضرموت بعقل شارد، مدركًا أن مصيره لن يختلف عن أخيه، أما الابن الثالث: محاسب في القطاع الخاص قضى خمس سنوات ليجد نفسه في دوامة "المرتب الزهيد".

   أمام هذه النماذج المحبطة، اتخذ الابنان الأصغران قرارًا صادمًا: التوقف عند الثانوية العامة والقفز مباشرة إلى السلك العسكري. يقول الأب بحرقة: "كنت مصرًا على إكمال تعليمهم، لكنني وجدت إخوتهم أمامهم نماذج يُحتذى بها في العلم ولكن بلا كرامة مادية، فلم أستطع أن أكون عقبة في طريقهم، فالالتحاق بالعسكر اليوم يؤمن ما تعجز عنه الوظيفة المدنية."

   يختتم الأب حديثه بألم قائلا:  "إنه أمر مؤسف ومخزٍ في آن واحد؛ أن تفقد الشهادة قيمتها، ويصبح المستقبل مرهونًا بالبندقية لا بالقلم."

   أسئلة تنتظر الإجابة يبقى هذا التقرير محاولة لفهم ظاهرة متشابكة تضع محافظة المهرة أمام مرآة تحدق في مستقبلها..هل هو اختيار حر لأبناء يعيشون واقعًا اقتصاديًا قاسيًا؟ أم هو نتاج حتمي لسياسات عميقة تعيد تشكيل المجتمع وفق أولويات أمنية على حساب التنمية البشرية؟ الأسئلة التي يطرحها هذا المشهد موجهة إلى صناع القرار: كيف يمكن إعادة التوازن بين جاذبية الوظيفة العسكرية وضرورة بناء جيل متعلم؟ كيف يمكن خلق فرص اقتصادية حقيقية تنافس الراتب الشهري، وتعيد للقلم هيبته في مواجهة السلاح؟ الإجابات على هذه الأسئلة هي التي سترسم ملامح مهرة الغد.