22 مايو ..حين تغيّرت موازين القوى.. تغيّر الخطاب 

كتب : فارس العدني

 

لم يكن التحول في خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي في ذكرى 22 مايو هذا العام تفصيلاً عابرًا أو مجرد اختلاف لغوي في الصياغة السياسية، بل بدا انعكاسًا واضحًا لتحولات أعمق في ميزان القوى داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وتحديدًا في طبيعة التعاطي مع القضية الجنوبية بعد سنوات من الخطاب المرتفع السقف الذي فرضته ظروف الحرب وتعقيدات الشراكة الهشة داخل السلطة.

 

أما خطاب هذا العام، فقد بدا مختلفًا بصورة لافتة. اختفت أو تراجعت المفردات السياسية الثقيلة المرتبطة بالقضية الجنوبية، وحلّت محلها لغة أكثر عمومية تتحدث عن الحقوق والمواطنة والشراكة في إطار الدولة ومؤسساتها. وهنا يكمن جوهر التحول؛ فالفارق كبير بين الاعتراف بالقضية الجنوبية بوصفها “قضية سياسية عادلة” وبين اختزالها في إطار “حقوق ومظالم” يمكن معالجتها إداريًا أو تمثيليًا داخل بنية الدولة القائمة.

 

في المقابل، كان خطاب العام الماضي أكثر وضوحًا في مخاطبة المزاج الجنوبي، إذ حرص العليمي حينها على استخدام مفردات ذات دلالات سياسية مباشرة مثل “القضية الجنوبية” و”القضية العادلة”، مع الإقرار بالمظالم التاريخية والحديث عن الشراكة الوطنية وخصوصية الجنوب السياسية. بل إن الخطاب قدّم الوحدة بوصفها مشروعًا جنوبيًا في الأساس، في محاولة لاحتواء ضغوط المجلس الانتقالي الذي كان آنذاك في ذروة حضوره السياسي والعسكري والإعلامي.

 

هذا التحول في سقف الخطاب لا يمكن فصله عن المتغيرات التي شهدها الجنوب خلال الفترة الأخيرة، ولا عن التراجع الواضح في قدرة المجلس الانتقالي على فرض نفسه ممثلًا حصريًا للجنوب أو احتكار الحديث باسمه. فسنوات التعبئة والتجييش والتخوين والإقصاء التي مورست ضد بقية المكونات الجنوبية، إلى جانب تصوير أي اختلاف سياسي باعتباره خيانة للقضية الجنوبية، أفرزت واقعًا مختلفًا عمّا كان يُراد ترسيخه.

 

لقد تحولت القضية الجنوبية لدى بعض القوى من مشروع سياسي جامع إلى وسيلة للهيمنة والاحتكار، وهو ما أضعفها بدل أن يعززها. فعندما تُختزل قضية بحجم الجنوب في جماعة أو مجلس أو خطاب مناطقي، فإنها تفقد تدريجيًا قدرتها على استيعاب التنوع الجنوبي الحقيقي، وتتحول إلى أداة صراع داخلي أكثر من كونها مشروعًا وطنيًا جامعًا.

 

كما كشفت الأحداث الأخيرة في حضرموت والمهرة، وتصاعد الخلافات الجنوبية ـ الجنوبية، والانقسامات داخل المكونات نفسها، هشاشة الخطاب الذي بُني لسنوات على فكرة “التمثيل الحصري”. وفي الوقت ذاته، بدا الإقليم، وفي مقدمته السعودية، أكثر ميلًا لإعادة هندسة المشهد الجنوبي بصورة تمنع احتكار القرار وتفتح المجال أمام مقاربات أوسع وأقل صدامية.

 

ومن هنا يمكن فهم التحول في خطاب الشرعية. فحين كان المجلس الانتقالي يمتلك قدرة عالية على الضغط العسكري والسياسي، كانت السلطة مضطرة إلى رفع سقف خطابها تجاه الجنوب، ليس بالضرورة عن قناعة كاملة، بل استجابة لمعادلة القوة القائمة آنذاك. أما اليوم، وبعد تراجع ذلك الضغط، فقد عادت لغة “الدولة الجمهورية” و”وحدة المؤسسات” و”مركزية القرار” لتتصدر المشهد من جديد.

 

لكن ذلك لا يعني بحال من الأحوال أن القضية الجنوبية انتهت أو تراجعت كحقيقة سياسية. فالقضية الجنوبية أعمق من أي مكون سياسي، وأكبر من أي مرحلة عابرة، وهي نتاج تراكمات طويلة من الاختلالات والحروب والإقصاء وسوء إدارة الوحدة والدولة معًا.

 

غير أن ما جرى ويجري يؤكد أن عدالة أي قضية لا تكفي وحدها لضمان نجاحها، ما لم تُدار بعقل سياسي قادر على بناء الشراكات لا هدمها، وعلى استيعاب المختلف لا تخوينه، وعلى تحويل المظلومية إلى مشروع دولة لا إلى مشروع سلطة.

 

ولعل أخطر ما واجه الجنوب خلال السنوات الماضية لم يكن فقط خصومه التقليديين، بل أيضًا ثقافة الإقصاء التي مورست باسمه، والتي دفعت كثيرين إلى الاعتقاد أن الجنوب لا يتسع إلا لصوت واحد، ورأي واحد، ومشروع واحد. وهي المعادلة التي أثبتت الأحداث فشلها سياسيًا وشعبيًا.

 

إن الخطاب الأخير للعليمي لا يمكن قراءته بمعزل عن هذا السياق كله؛ فهو ليس مجرد تبدل في المفردات، بل رسالة سياسية تعكس شعورًا متزايدًا داخل الشرعية والإقليم بأن موازين القوى تغيّرت، وأن مرحلة التعامل مع الانتقالي بوصفه الطرف الجنوبي الوحيد لم تعد كما كانت.

 

والسؤال الحقيقي اليوم ليس فقط لماذا انخفض سقف الخطاب الرسمي تجاه القضية الجنوبية، بل أيضًا: كيف وصلت القوى التي رفعت شعار تمثيل الجنوب إلى مرحلة فقدان القدرة على فرض خطابها السابق؟

 

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يضع الجميع أمام مراجعة صريحة وشجاعة، بعيدًا عن الضجيج والانفعالات، وبما يسمح بإعادة التفكير في مستقبل القضية الجنوبية بوصفها قضية وطنية جامعة، لا أداة للصراع أو الاحتكار السياسي.