روحانية رمضان تطغى رغم التحديات

مع تسارع الزمن وتعاقب الأيام، وجد اليمنيون أنفسهم مجددًا في شهر رمضان المبارك؛ الشهر الذي لا تتغير أيامه في التقويم، لكنه يغيّر النفوس ويوقظ في القلوب معاني الإيمان والتراحم والتعاون والبر والاحسان، فرمضان ليس مجرد موسم للصيام، بل حالة مجتمعية وروحية تتجدد كل عام، فتغمر الساحة اليمنية روحانية خاصة تتجاوز كل الظروف والتحديات.

  في الشوارع، تتبدل الملامح مع أول أيام الشهر الكريم؛ ازدحام الأسواق بعروض السلع الرمضانية، وروائح البهارات والمخبوزات التقليدية تعبق في الأجواء، وحركة دؤوبة تعكس الابتهاج بشهر الصيام. ففي المساجد، يتجلى المشهد الأكثر تأثيرًا؛ صفوف المصلين تمتد الى الساحات والشوارع ، وأصوات التلاوة تعلو المأذن، وحلقات الذكر والدروس والمواعظ تملأ المساجد عقب الصلوات، حتى أولئك الذين لا يرتادون المساجد إلا في الجمعة أو في رمضان، تجدهم حاضرين بخشوع، وكأن الشهر يعيد ترتيب أولوياتهم ويقرّبهم من بيوت الله دون تكلف أو إلزام.

   ففي رمضان تتسع موائد الإفطار في الأحياء اليمنية، حيث يتسابق الناس في إعداد موائد جماعية، ويحرصون على دعوة الناس للافطار على موائدهم، فقيم التكافل الاجتماعي تتجسد بوضوح؛ فالكثيرون يسعون إلى مساندة الأسر المحتاجة، وتقديم العون للمستضعفين، وتوزيع التمور والسلال الغذائية والصدقات، في هذا الشهر، لا يبقى المحتاج وحيدًا، بل تحيطه أيادي الخير من كل جانب.

  أما الأطفال، تعلوا وجوههم ابتسامة خاصة لا تُخطئها العين؛ فرحة بالصيام، وبهجة تملؤها سعادة بتجمعات الإفطار والسحور، رمضان بالنسبة لهم ذاكرة تُبنى، وقيم تُغرس، وروح جماعية يتعلمون من خلالها معنى المشاركة والصبر والعطاء. ورغم الحرب وآلام النزوح التي أثقلت كاهل الوطن، يبقى رمضان مساحة أمل تتجدد فيها الأمنيات، فالمواطنون، ولا سيما من أصحاب الدخل المحدود، ينظرون إلى هذا الشهر بعين الرجاء، آملين أن تترافق روحانيته مع انفراجات معيشية حقيقية، ويبرز ملف الرواتب، خاصة المتأخرة منها، كأحد أبرز الهواجس التي تشغل الأسر اليمنية، إذ إن تأمينها لا يمثل مجرد استحقاق مالي، بل يحمل دلالة إنسانية كبيرة ويعيد شيئًا من الطمأنينة والاستقرار إلى البيوت، وفي الوقت الذي تتطلع فيه الأنظار إلى مجلس القيادة الرئاسي والحكومة لاتخاذ خطوات عملية في الملفات الأمنية والخدمية، يظل الأمل معقودًا على أن يكون رمضان محطة لإحياء المسؤولية، وترسيخ أولويات تمس حياة المواطنين مباشرة، وفي مقدمتها صرف الرواتب المتأخرة لعام 2025م، ليكون الإفطار هذا العام مقرونًا ببشرى طال انتظارها.

  ورغم بعض البرامج التلفزيونية التي قد لا توفّق في مراعاة روحانية الشهر، فإن الوعي المجتمعي يظل حاضرًا، والقدرة على التمييز بين ما يعزز القيم وما يبدد الوقت تبقى مسؤولية مشتركة.

   هكذا يطل رمضان على اليمن، شهرًا تتجدد فيه الروح، وتتسع فيه القلوب، وتتلاقى فيه الدعوات من المساجد والبيوت على أمل أن يكون شهر خير وسلام، وأن يحمل معه بشائر الفرج، وأن تبقى روحانيته طاغية على كل ألم، ومضيئة لكل درب.