الثقافة ممارسة حيّة، تنتقل بالفعل قبل القول؛ فما يُقال قد يُنسى، أما ما نمارسه فيبقى، ويصير جزءًا منا.
توفيت أمي في غرة شعبان، ورحلت كما عاشت: هادئة، خفيفة الروح، عميقة الأثر.
لم تكن تُعلّمنا بالكلام فقط، بل بالفعل؛ علمتنا أن القلوب الطيبة لا تُهزم، وأن المسؤولية لا تسقط في أصعب اللحظات.
في يوم عزائها، امتلأ البيت بالمعزين. وبين همسات النسوة وسعال بعضهن، خطرت لي فكرة بسيطة: كيف نحافظ على سلامة الجميع؟ جلبت كمّامات وأكياسًا صغيرة، ونظمت الدخول بهدوء، مستحضرةً تجربة رأيتها في مساجد تركيا.
استغربن بعض النسوة في البداية، لكنهنّ التزمنّ، حيث لم يكن الأمر مألوفًا في بلدتي الصغيرة، غير أنّ الإحساس بالمسؤولية كان أقوى من العادة،عندها بدا المعنى أوضح: ما نفعله أبلغ مما نقوله، وما ينفع الناس، أولى أن يُنشر بالفعل، لا أن يبقى حبيس الاستغراب.
هكذا تنمو المجتمعات، وهكذا يُصان رقيّها.