بعد مرور نحو عقد على استعادة السيطرة على عدد من المناطق اليمنية، التي باتت تُعرف بالمناطق المحررة، لا تزال أوضاع المواطنين فيها تراوح مكانها، بل تزداد صعوبة في كثير من الجوانب. فبدلاً من أن تتحول هذه المناطق إلى نموذج للاستقرار والخدمات، يعيش سكانها أزمات متواصلة تتعلق بالكهرباء والمياه والرواتب والغاز وارتفاع الأسعار، وسط شعور متنامٍ بأن معاناتهم لم تعد تحظى بالاهتمام الكافي من جانب السلطات المحلية والحكومة والمجلس الرئاسي.
لقد تحمل الشعب اليمني خلال سنوات الحرب أعباءً استثنائية، ودفع ثمناً باهظاً نتيجة الصراع والانقسام السياسي والعسكري. وكان من المفترض أن تمثل المناطق المحررة نقطة انطلاق لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الخدمات العامة، وتوفير بيئة آمنة تضمن للمواطنين حقوقهم الأساسية. غير أن الواقع يشير إلى استمرار مظاهر الضعف الإداري والفساد وتراجع مستوى الخدمات، الأمر الذي عمّق حالة الإحباط وفقدان الثقة لدى المواطنين. أزمة الخدمات والرواتب تأتي أزمة الكهرباء في مقدمة المشكلات التي تؤرق سكان المناطق المحررة، إلى جانب انقطاع المياه أو ضعف إمداداتها، وتأخر صرف رواتب الموظفين والمتقاعدين، فضلاً عن صعوبة الحصول على الغاز وارتفاع كلفته.
ولا تقتصر آثار هذه الأزمات على الجانب المعيشي فحسب، بل تمتد إلى الصحة والتعليم والنشاط الاقتصادي، وتؤثر بصورة أكبر في الفئات الأشد ضعفاً، مثل الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى.
كما أن استمرار هذه الأوضاع يفاقم معدلات الفقر والبطالة، ويدفع بعض الشباب إلى الهجرة أو الانخراط في أنشطة غير قانونية، بما في ذلك تعاطي المخدرات أو الاتجار بها. ومن ثم، فإن معالجة هذه الظواهر لا تكون بالحلول الأمنية وحدها، بل تتطلب توفير فرص العمل، ودعم التعليم، وتحسين الخدمات، وتعزيز الرقابة على المنافذ والأسواق، ومحاسبة المتورطين وفق القانون.
مسؤولية القيادة يتحمل المجلس الرئاسي والحكومة والسلطات المحلية مسؤولية مباشرة عن إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتهم، وعن ضمان الحد الأدنى من الحقوق والخدمات للمواطنين، ومن حق الناس أن يطالبوا هذه الجهات بتوضيح خططها، ومصادر تمويلها، وآليات إنفاق الموارد، ونتائج الإجراءات التي تتخذها لمعالجة الأزمات.
ولا يمكن أن تستمر الفجوة بين المسؤولين والمواطنين. فإدارة الدولة لا تقتصر على عقد الاجتماعات أو إصدار البيانات، وإنما تتطلب حضوراً ميدانياً، واستماعاً منتظماً إلى شكاوى الناس، وتحديداً واضحاً للأولويات.
كما أن سفر المسؤولين أو إقامتهم خارج البلاد، إذا كان ضرورياً لأسباب سياسية أو دبلوماسية، ينبغي ألا يتحول إلى مبرر لغياب المتابعة والمساءلة أو إلى مصدر شعور عام بأن القيادة بعيدة عن معاناة المواطنين.
وفي المقابل، فإن تقييم أداء السلطات يجب أن يستند إلى معلومات موثقة، وأرقام معلنة، وتقارير رقابية مستقلة، بعيداً عن التعميم أو الاتهامات غير المثبتة، فوجود أخطاء أو أوجه قصور لا يعني بالضرورة أن هناك سياسة متعمدة لإبادة الشعب أو الانتقام منه، لكن استمرار الفشل والإهمال دون إصلاح أو محاسبة قد يؤدي عملياً إلى نتائج كارثية على حياة الناس. تقع على الأمم المتحدة والمجتمع الدولي مسؤولية أخلاقية وقانونية تجاه المدنيين اليمنيين، خصوصاً في المناطق التي تعاني تدهوراً إنسانياً مستمراً، غير أن الحماية الدولية لا ينبغي أن تقتصر على البيانات والمناشدات، بل يجب أن تترافق مع آليات أكثر فاعلية لمراقبة حقوق الإنسان، ودعم الخدمات الأساسية، والضغط من أجل دفع الرواتب، وحماية المدنيين، ومكافحة شبكات تهريب السلاح والمخدرات، ومساندة جهود بناء مؤسسات الدولة.
كما ينبغي أن توجه المساعدات الدولية إلى مشاريع مستدامة، لا إلى استجابات مؤقتة فحسب، وأن تخضع عملية توزيعها للشفافية والرقابة، بما يضمن وصولها إلى مستحقيها بعيداً عن المحسوبية أو الاستغلال السياسي. يتطلب معالجة الوضع في المناطق المحررة جملة من الإجراءات العاجلة، أبرزها: وضع خطة معلنة لتحسين الكهرباء والمياه والخدمات الصحية والتعليمية، انتظام صرف الرواتب ومعالجة أوضاع الموظفين والمتقاعدين، ضمان وصول الغاز والسلع الأساسية بأسعار عادلة، ومكافحة الاحتكار والتهريب، فتح تحقيقات مستقلة في قضايا الفساد وسوء إدارة الموارد العامة، تعزيز استقلال الأجهزة الرقابية والقضائية، إشراك المجتمع المدني والنقابات والسلطات المحلية في تحديد الأولويات، حماية الشباب من المخدرات عبر التوعية والعلاج وتوفير فرص العمل، احترام حق المواطنين في الاحتجاج السلمي والتعبير عن مطالبهم، مع الحفاظ على الأمن العام، ونشر تقارير دورية توضح حجم الإيرادات وأوجه الإنفاق والنتائج المحققة. إن معاناة المواطنين ليست مادة للمزايدات السياسية، كما أن المطالبة بالحقوق لا ينبغي أن تتحول إلى خطاب يحرض على العنف أو يهدد السلم الاجتماعي.
المطلوب هو انتقال الأطراف كافة من تبادل الاتهامات إلى تحمل المسؤولية، ومن إدارة الأزمات إلى وضع حلول قابلة للتنفيذ، فالشعب اليمني لا يطالب بالمستحيل؛ إنه يريد دولة تؤدي وظائفها الأساسية، وقيادة تشعر بمسؤوليتها، ومؤسسات تحمي حقوقه، وعدالة تلاحق الفساد والانتهاكات أياً كان مرتكبوها، أما استمرار الأزمات من دون معالجة، فسيزيد اتساع الفجوة بين المواطن والسلطة، ويهدد ما تبقى من مؤسسات الدولة والنسيج الاجتماعي.
ويبقى السؤال الأهم أمام المجلس الرئاسي والحكومة: ما الخطوات العملية التي ستُتخذ الآن لاستعادة ثقة المواطنين وتحسين حياتهم؟، فهذه الثقة لن تُستعاد بالخطابات، وإنما بنتائج ملموسة يلمسها الناس في الكهرباء والمياه والرواتب والأمن والعدالة.





