القادة الحقيقيون لا تُقاس عظمتهم بكثرة الكلام، ولا بعدد الألقاب والرتب، وإنما بمصداقية الموقف، وشجاعة القرار، والقدرة على إدارة أصعب الظروف، حين تضيق الخيارات وتصبح النتائج مصيرية.
وعندما نشاهد اليوم معارك الساحل الغربي، وما رافقها من خيانات واختراقات، وتعدد في غرف العمليات، واضطراب في اتخاذ القرار، فإن وصف ما حدث بأنه "انسحاب تكتيكي" يظل محل تساؤل أمام النتائج التي أفرزتها المعارك.
فهل كان انسحابًا تكتيكيًا بالفعل، أم أن الهزيمة أُعيد تقديمها بتوصيف أقل وقعًا؟ وعند مراجعة مسار تلك المعارك وتأمل أداء القادة، تستوقفنا أسماء تركت بصمتها في الميدان، وتميزت بالشجاعة والحكمة والدهاء العسكري والسياسي.
ومن بين هذه الأسماء يبرز القائد فرج البحسني، الذي ارتبط اسمه خلال قيادته لجبهة خرز في الساحل الغربي إبان حرب 1994م بالشجاعة وحسن إدارة المعركة ووضوح الموقف وصدق الكلمة.
ففي الحروب لا مكان للمظاهر، ولا تكفي الرتب لصناعة قائد. هناك، تحت ضغط النار، تُختبر القدرات، وتنكشف حقيقة الرجال، ويصبح القرار الذي يُتخذ في اللحظة الحاسمة هو الفاصل بين النجاح والفشل، وبين التقدم والتراجع, وبين النصر والهزيمة. ولهذا تبقى بعض الأسماء حاضرة في الذاكرة، ومنها اللواء البحسني، ليس لأنها حملت رتبًا عسكرية رفيعة، وإنما لأنها ارتبطت بمواقف وقرارات تركت أثرها في الميدان.
فالتاريخ لا يحتفظ بالألقاب بقدر ما يحتفظ بالمواقف، ولا يتذكر كثرة الكلام بقدر ما يتذكر شجاعة الفعل.
وفي النهاية، قد تتغير الظروف، وتتبدل المواقع والرتب، وتختلف الروايات حول المعارك ونتائجها، لكن هناك حقيقة لا تتغير: القائد الحقيقي يُختبر عندما تشتد المعركة، وعندما يصبح القرار مسؤولية لا شعارًا.
ففي اللحظة التي يشتد فيها القصف، وتضيق الخيارات، وتتوقف الكلمات عن صناعة الصورة، تحت النار.. تسقط الرتب وتظهر الرجال.






