لم تعد المسافة بين الشعار والممارسة مجرد مفارقة عابرة، بل تحولت إلى خطة عمل مفتوحة على تاريخ طويل من التحالفات والتفاهمات التي جرت قديمًا وحديثًا، وتحدث أحيانًا بعيدًا عن أعين الجمهور والأضواء الإعلامية.
فجماعة مليشيات الحوثي الإرهابية، التي جعلت من "الموت لأمريكا الموت لإسرائيل" شعارًا ثابتًا لخطابها، تجد نفسها اليوم في قناة تفاوض مباشرة مع واشنطن عبر الوساطة العُمانية وقد تحدثت مصادر عن تفاهمات تتعلق بعدم استهداف السفن الأمريكية والإسرائيلية، في الوقت الذي تستمر فيه المليشيات في استهداف اليمنيين في تعز ومأرب والضالع وعدد من المحافظات اليمنية بالصواريخ الباليستية والألغام وغيرها، مع استمرار التصعيد ضد المملكة العربية السعودية.
بين خطاب العداء المطلق وحسابات التفاوض، يجد اليمني نفسه الضحية لمشروع خارجي جعل من اليمن حديقة خلفية لإيران، وأن محادثات مسقط التي أجريت بين الحوثيين أكبر من مجرد اجتماع في مسقط بل علاقة ذات مصالح استراتيجية.
تقرير لرويترز نشر في سبتمبر 2026 كشف لقاءً بين مسؤولين أمريكيين وممثلين عن الحوثيين في السفارة الأمريكية بمسقط، حيث قُدمت تطمينات بعدم استهداف السفن الأمريكية والإسرائيلية، فيما لم تؤكد واشنطن التفاصيل مكتفية بالتشديد على أهمية أمن الملاحة في البحر الأحمر. هذه الفجوة بين التفاوض والشعار الذي تطلقه ميليشيات الحوثي، إذ سبق أن أعلنت سلطنة عُمان في مايو 2025 اتفاقًا رسميًا لوقف إطلاق النار بين واشنطن والحوثيين، نص على حماية السفن وضمان حرية الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر.
هذا المشهد يعيد إلى الذاكرة اليمنية واحدة من أكثر لحظاتها حساسية، عملية "بساط الريح" بين عامي 1949 و1950، حين نُقلت أعداد كبيرة من يهود اليمن إلى إسرائيل عبر ترتيبات سرية شاركت فيها سلطات الإمام يحيى حميد الدين والبريطانيون في عدن والحكومة الإسرائيلية ومنظمات يهودية أمريكية لم تكن العملية مجرد رحلة جوية بل شبكة مصالح متشابكة تكشف أن ما يُقال علنًا قد يختلف جذريًا عما يُدار خلف الأبواب المغلقة. اليوم ترفع جماعة الحوثي شعار مواجهة أمريكا وإسرائيل، وتفتح في الوقت نفسه قناة تفاوض مع واشنطن، وبينما تقول إن فلسطين في قلب مشروعها، يتجه التصعيد نحو السعودية، الجار العربي الذي يرتبط باليمن بحدود ومصالح ووشائج اجتماعية واقتصادية عميقة، هذه المفارقة تطرح أسئلة مشروعة: إذا كان العدو المعلن هو أمريكا وإسرائيل، فلماذا تُحمى سفنها وتقتل اليمنيين وإذا كانت المعركة دفاعًا عن فلسطين، فما الذي يفسر انتقال التصعيد إلى مواجهة دول الجوار مثل السعودية وغيرها من الدول العربية؟ وإذا كانت الحرب باسم"الموت لأمريكا الموت لإسرائيل" فلماذا يدفع المواطن ثمنها من قتل واقتصاد وتهجير ونزوح واختطاف وسجون ونهب للممتلكات العامة والخاصة وسلبًا للحقوق والحريات؟ الارتباط الفكري والسياسي العسكري بين الحوثيين وإيران ارتباط وثيق على نطاق واسع، وذلك يعني أن كل قرار يصدر بأمر مباشر من طهران والسؤال الأكثر دقة هو: إلى أي مدى يستمر اليمنيون ضحية لمصالح إيران؟ ومتى تتقدم مصلحة اليمن واليمنيين على حسابات مشاريع إيران؟.
المواطن اليمني يفقد مشروعيته بلده وسيادته في ظل حكم جماعة الحوثي ويفقد حياته وكرامته ، في غرفة المفاوضات لا يعرف ما يُقال أو ما يُتفق عليه، لكن اليمني يعاني من تبعات الحرب وصلت الحرب إلى منزله وسلبت حياته وأمنه واقتصاده، وأن البحر الأحمر تحول إلى ساحة صراع دولي هنا يصبح الفرق بين "العدو المعلن" و"الطرف الذي يُجرى التفاوض معه" ففي السياسة قد يتفاوض الأعداء، لكن عندما تكون الشعارات قائمة على العداء المطلق، يصبح من حق الجمهور أن يعرف لماذا تتغير قواعد الاشتباك خلف الأبواب المغلقة.
من "بساط الريح" إلى مسقط، يظل السؤال مفتوحًا: متى قدمت مليشيات الحوثي مصلحة اليمن واليمنيين؟ يأتي الجواب بلا وألف لا، فالبلاد تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات الآخرين، بينما يبقى الشعب هو من يدفع ثمن تلك الحسابات.




