يغدو الإسكندر المقدوني حاضراً بيننا اليوم، لا بصفته حجراً في متحف التاريخ، بل بكونه فكرة تتكرر. فعندما عظم شأنه بين قومه، كان القائد الذي تطمح إليه مقدونيا في ذلك العصر، الشاب الذي توسعت إمبراطوريته لتجتاح أطراف العالم القديم.
لقد صنع الإسكندر الاستثناء التاريخي ببطولات عجزت عنها أعظم الكيانات آنذاك، وسحق الإمبراطورية الفارسية بدهاء القائد الجسور، وعزيمةٍ ناطحت السحاب؛ وهو ما توثقه غالبية النصوص والحوليات والتاريخ المقارن. غير أن المفارقة التاريخية تتبدى جلياً حين سكنه غرور الانتصارات وتعالي الذات، فأمر قومه بالسجود له عقب جني ثمار فتوحاته.
هناك، اصطدم طموحه بوعيٍ صلب وردٍّ صافع: قد تسجد لك أمم الشرق الأقصى والشرق الأوسط وبلاد النيل، لكن ليس نحن هنا. وهنا التحدي الوجودي الذي ينعكس في واقعنا المعاش؛ إذ نجد "الإسكندر" حاضراً في أسلوب حياتنا ورؤيتنا للرموز.
نلمس ذلك عندما نمجد شخصيات لم تحقق نصرًا حقيقياً، ولم تتجسد فيها سمات القيادة الرشيدة، وكأن الأمر جينات وراثية استقرت في أعماقنا منذ فجر التاريخ، أو هي من مخلفات الحقب الاستعمارية والهيمنة الخارجية التي كرست التبعية العمياء.
لقد أورثتنا تلك الحقبة ميلاً غريباً للتعظيم والانسياق خلف مظاهر فارغة من أي عظمة حقيقية؛ وكأننا لا نحيا إلا بإلهة بشرية تدفعنا للإذعان التام، فرغم هداية الإسلام ورسالته التحريرية، اتخذت صور "التأليه الاجتماعي" أشكالاً مستحدثة شديدة الغوغأية، جعلت المجتمع يئن تحت وطأة جلاديه، بل ولا يرتاح حتى تقع السياط على ظهره.
لقد تضافرت المصلحة مع الخوف، والخنوع مع حب الحياة، لتسلبنا جوهر الكرامة والحرية الحقيقية، واستُبدلت بها "حرية شكليّة" مغلفة لا تعبر عن جوهر الاستقلال الإنساني. أليست هذه الحالة، في حقيقتها الباطنة، شاهداً من شواهد "عقدة الإسكندر" التي ما زالت تلقي بظلالها على العقل الجمعي






