الدكتور: عبدالقادر المحوري
منذ عام 2011، لم تدخل اليمن مرحلة انتقال سياسي بقدر ما دخلت نفقًا مفتوحًا على الاحتمالات الأسوأ، حيث غابت فكرة الدولة لصالح صراعات السلطة، وتقدّم منطق الغلبة على منطق الشراكة. لم يكن الانهيار وليد الثورة أو الحرب وحدهما، بل نتيجة تراكم طويل لعجز النخب عن إدارة الاختلاف وتحويله إلى عقد سياسي جامع، يعترف بالحقوق ويصون المصالح العامة.
في قلب هذا المشهد، جرى التعامل مع القضايا الكبرى – وعلى رأسها القضية الجنوبية – بوصفها ملفات تفاوضية مؤقتة، لا حقوقًا سياسية ثابتة. تم تفريغ هذه القضايا من مضمونها عبر الإقصاء والمناطقية وتجزئة التمثيل، حتى بات الحوار في كثير من مراحله حوارًا شكليًا لا يلامس جوهر المظالم ولا يقدم حلولًا قابلة للحياة. هكذا تحولت القضايا المصيرية إلى أدوات ضغط، واختُزلت مطالب الشعوب في توازنات آنية.
الإعلام، الذي كان يفترض أن يكون سلطة رقابة وتنوير، انزلق في كثير من محطاته إلى مربع الاصطفاف والتحريض. بدل أن يفتح أفقًا للنقاش العقلاني، ساهم في تكريس سرديات ضيقة، وتغذية الانقسام، وتبادل الاتهامات. ومع غياب المهنية، تراجع الدور التنويري للإعلام، وتقدّم خطاب التعبئة الذي يخدم لحظة الصراع ويقوّض فرص الدولة.
أما النخب السياسية، خصوصًا تلك التي ترفع شعارات كبرى، فقد مارست ازدواجية واضحة في المواقف. ترفض الاعتراف بحقوق الجنوب في إدارة شؤونه، وفي الوقت نفسه تسعى إلى تفكيكه إلى مسارات متنافسة، واستخدامه كورقة في صراع النفوذ. هذا التناقض لم يضعف الجنوب وحده، بل أضعف فكرة الدولة نفسها، وأفقد الخطاب الوحدوي صدقيته.
البديل الواقعي لا يكمن في القفز إلى شعارات قصوى أو حلول مؤجلة، بل في الاعتراف بالوقائع السياسية والاجتماعية كما هي. دولة اتحادية حقيقية بصلاحيات كاملة، أو مسار تقرير مصير واضح المعالم، تُدار خلاله مرحلة انتقالية بقيادات تمثل الجغرافيا والتاريخ، وتُكرّس لبناء المؤسسات لا لإعادة إنتاج الصراع. دون هذا الاعتراف، ستظل الأزمات تتناسخ، مهما تغيّرت التحالفات وتبدّلت الوجوه.
إن استعادة الدولة في اليمن ليست مهمة تقنية، بل قرار سياسي وأخلاقي. قرار يبدأ بالاعتراف بالحقوق، ويمر بإصلاح الإعلام، وينتهي ببناء عقد وطني جديد. ما دون ذلك، ليس إلا إدارة للأزمة باسم الحل، وتأجيلًا لانفجار قادم.