بين الذاكرة المغيّبة وسردية القوة ..حكايات لا تروى كاملة

 

الحلقه الأولى

الدكتور : عبدالقادر المحوري 

 

ليس من السهل اختزال تاريخ الجنوب ولا تاريخ اليمن عمومًا في أحكام انفعالية أو توصيفات سريعة من قبيل السذاجة أو السطحية فهذه مفردات قد ترضي لحظة الغضب لكنها لا تفسّر الوقائع ولا تفتح أبواب الفهم الحقيقي لمسار معقد من التحولات السياسية والتاريخية.

الحقيقة الأعمق تكمن في سؤال آخر

من يملك الذاكرة ومن يتحكم في مفاتيحها؟

حين نتحدث عن أرشيف دولة الجنوب، فنحن لا نتحدث عن صناديق من الورق، بل عن ذاكرة وطنية مكتملة وثائق سياسية، مراسلات سيادية، ملفات أمنية، ومحاضر اجتماعات ارتبطت بلحظات مفصلية في تاريخ الجنوب والشمال معًا. هذه الوثائق لم

تكن مجرد سجل إداري، بل كانت حاملة لقصص كبرى، بعضها لم يكشف حتى اليوم ويتصل بقضايا مصيرية وأحداث مشتركة لم يرفع الغطاء عنها ولم يقترب منها احد ربما تحفظاً أو لحسابات لا تزال قائمة.

وفي سياق هذا الحديث عن الذاكرة المفقودة أو المُغيّبة تبرز قصة ذات دلالة رمزية عميقة وهي قصة سيارة الملكة إليزابيث أثناء زيارتها التاريخية لعدن.

فبحسب ما يُروى—وهي رواية تؤكدها شواهد تاريخية متداولة—فإن السيارة التي استُخدمت خلال الزيارة لم تكن موجودة أصلاً في عدن، بل جرى إحضارها خصيصًا قبل وصول الملكة، ضمن ترتيبات دقيقة تعكس طبيعة الحضور البريطاني آنذاك. وبعد انتهاء الزيارة، لم تُستخدم السيارة مجددًا بل قامت الجهات البريطانية بحفظها داخل أحد هناجر مصافي عدن في منطقة البريقة، حيث بقيت هناك لفترة طويلة، حتى بعد رحيل الاستعمار.

المفارقة أن هذه السيارة—التي تمثل رمزًا لحقبة تاريخية مهمة—ظلت في موقعها دون أن تتحول إلى معلم أو تُستثمر كجزء من الذاكرة الوطنية. تعاقبت قيادات الجنوب، وتبدلت الأنظمة، لكن هذه القطعة التاريخية بقيت خارج دائرة الاهتمام أو التوظيف الرمزي سواء لعدم المعرفة الدقيقة بموقعها أو لغياب الوعي بقيمتها.

وبعد الوحدة وتحديدًا في مرحلة ما بعد 1994، يقال إن هذه السيارة تم وضع اليد عليها ونقلها إلى صنعاء، حيث استقرت ضمن مقتنيات المتحف الحربي، لتصبح جزءًا من سردية أخرى تعرض في سياق مختلف، وبزاوية رؤية مغايرة.

هذه القصة بقدر ما تحمل من تفاصيل تكشف عن فجوة أعمق فجوة في إدارة الإرث وفي الوعي بقيمة الرموز وفي القدرة على تحويل التاريخ إلى قوة ناعمة تعزز الهوية وتبني الوعي الجمعي.

لكن هل يعني ذلك أن القادة الجنوبيين كانوا سذّجًا؟

الواقع أكثر تعقيدًا من هذا التبسيط.

فما حدث كان نتاج تداخل عوامل عديدة صراعات داخلية، أولويات سياسية متزاحمة، هشاشة في المؤسسات وغياب مشروع متكامل لحفظ الذاكرة الوطنية. وفي المقابل برزت في صنعاء أو في مراكز القرار الأقوى عقلية مختلفة، يمكن وصفها مجازاً بعقلية الاستحواذ حيث يُنظر إلى كل ما هو قابل للنقل أو الاحتواء بوصفه جزءًا من معادلة القوة، سواء كان ذلك أرشيفًا سياديًا أو رمزًا تاريخيًا أو حتى سردية كاملة.

وهنا لا يعود الحديث عن جغرافيا بقدر ما هو حديث عن نمط حكم

حين تتحول المعايير لمفهوم الدولة ويصادر الأرشيف وكذلك التاريخ ، وحتى الذاكرة تُعاد صياغتها وفق ميزان الامر الواقع لكل منتصر في مرحلة ما دون استثناء لا وفق الواقع او الحقيقة.

إن استعادة هذا النقاش اليوم ليست دعوة لاتهام طرف أو تبرئة آخر بل محاولة لإعادة فتح ملف الذاكرة المغلقة. فالتاريخ الذي لا يكتب بصدق، يعاد تدويره بانتقائية والذاكرة التي لا تحفظ تستعار وأحيانًا تصادر.

في النهاية تبقى الحقيقة معلّقة بين ما حدث فعلًا وما سمح لنا أن نعرفه عنه

وبينهما تقف أسئلة كثيرة… لم يجب عنها أحد بعد.

 

* من كتاب: خريف اليمن… خفايا وأسرار

للدكتور عبدالقادر المحوري