الانتقالي بين الشعار والممارسة… حين تبتلع السلطة الحلم

 

كتب: د. عبدالقادر المحوري

 

لم تكن القضية الجنوبية يومًا شعارًا عابرًا ولا ورقة للمزايدة السياسية بل كانت تعبيرًا عميقًا عن مظالم تاريخية متراكمة ولهذا جاءت محطات الحوار المختلفة من مؤتمر القاهرة إلى مؤتمر الحوار الوطني في صنعاء كمسارات سياسية حاولت إعادة الاعتبار لتلك القضية عبر اعتراف صريح بالمظلومية وطرح حلول واقعية كالفيدرالية وتقاسم السلطة واستعادة الحقوق وفتح المجال أمام الجنوبيين لتولي مواقع سيادية في الدولة في عهد الرئيس هادي بل وتجاوزت تلك المخرجات في بعض جوانبها سقف ما وصل إليه الانتقالي لاحقًا من تمثيل سياسي

 

غير أن المجلس الانتقالي الجنوبي اختار منذ نشأته طريقًا مختلفًا قائمًا على رفع سقف المطالب إلى حد الانفصال الفوري وتخوين كل من شارك في تلك المسارات السياسية باعتبارها تفريطًا بالقضية بينما كانت في جوهرها خطوات تراكمية نحو حل مستدام وعادل لكن المفارقة الكبرى أن هذا الخطاب المتشدد لم يصمد أمام اختبار السلطة فحين أتيحت للانتقالي فرصة الشراكة في الحكم لم يسعَ لتطوير تلك المخرجات أو البناء عليها بل انشغل بإعادة إنتاج السلطة نفسها التي كان ينتقدها مع تغيير في الوجوه فقط

 

لقد تحول المشروع من خطاب تحرري إلى ممارسة سلطوية حيث أصبحت عدن التي كان يُفترض أن تكون نموذجًا للدولة القادمة ساحة للفوضى الإدارية والتدهور الخدمي والانهيار المعيشي فانقطاع الكهرباء لساعات طويلة بل لأيام وغياب الخدمات الأساسية وتفاقم الأزمات الاقتصادية لم تكن مجرد إخفاقات عابرة بل مؤشرات على خلل بنيوي في إدارة السلطة وغياب الرؤية المؤسسية

 

الأخطر من ذلك أن أدوات القمع التي طالما شكا منها الجنوبيون في مراحل سابقة عادت بأشكال مختلفة حيث وُوجهت الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالحقوق والرواتب بالقمع والتضييق وتحولت بعض الأجهزة إلى أدوات ضبط سياسي بدل أن تكون مؤسسات لحماية المواطن وهو ما خلق فجوة عميقة بين الخطاب الذي يدّعي تمثيل الجنوب والممارسة التي أثقلت كاهل المواطن وأفقدته الثقة

 

وفي سياق إدارة الموارد برزت إشكاليات أكثر تعقيدًا حيث انتشرت اتهامات بالفساد ونهب الأراضي والجبايات غير القانونية وتكوين مراكز نفوذ اقتصادية مرتبطة بقيادات أو دوائر قريبة منها دون وجود شفافية أو محاسبة حقيقية ولم يصدر عن القيادة موقف واضح وحازم يطمئن الشارع أو يعكس إرادة إصلاحية وهو صمت فُسّر لدى كثيرين باعتباره قبولًا ضمنيًا أو عجزًا عن المواجهة

 

كما أن النزعة المناطقية التي كان يفترض تجاوزها عادت لتطل برأسها في بعض الممارسات اليومية سواء في نقاط التفتيش أو في التعامل مع المواطنين والزوار أو في إدارة الفضاء العام وهو ما يتناقض مع فكرة المشروع الوطني الجنوبي الجامع ويعيد إنتاج الانقسامات التي عانى منها الجنوب تاريخيًا

 

أما على مستوى القيادة فقد برزت إشكالية مركزية القرار وغياب التعددية داخل الإطار السياسي ذاته حيث اشتكى كثير من الفاعلين والنخب من تهميشهم أو إقصائهم لصالح دائرة ضيقة تتحكم في القرار وهو ما انعكس لاحقًا في مواقف وردود أفعال علنية كشفت حجم الاحتقان الداخلي وأضعفت صورة المشروع أمام جمهوره

 

إن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه اليوم ليس عن مشروعية القضية الجنوبية فهي ثابتة في وجدان أبنائها بل عن الكيفية التي تُدار بها هذه القضية وهل تحولت من مشروع وطني جامع إلى أداة للسلطة والنفوذ وهل يمكن لمشروع يرفع شعار التحرر أن ينجح وهو يمارس الإقصاء ويغض الطرف عن الفساد ويعجز عن تقديم نموذج إداري وخدمي مقنع

 

لقد أثبتت التجربة أن الشعارات الكبيرة لا تكفي وأن الوصول إلى السلطة ليس غاية بحد ذاته بل اختبار حقيقي للقدرة على البناء والإدارة وتحقيق تطلعات الناس وأن أي مشروع لا يضع المواطن في صدارة أولوياته ولا يترجم وعوده إلى واقع ملموس سيبقى مشروعًا ناقصًا مهما كانت قوة خطابه

 

إن استعادة الثقة تتطلب مراجعة جادة وشجاعة تعترف بالأخطاء وتفتح الباب أمام شراكة حقيقية وتؤسس لمرحلة تقوم على الشفافية والمساءلة وتغليب المصلحة العامة على المصالح الضيقة فالقضية الجنوبية أكبر من أي كيان سياسي وأعمق من أن تُختزل في تجربة واحدة أو قيادة بعينها والتاريخ لا يرحم من يضيّع الفرص حين تتاح ولا من يستبدل معاناة الناس بامتيازات السلطة.

* من كتاب: خريف اليمن… خفايا وأسرار

للدكتور عبدالقادر المحوري