فارس العدني
لم تعد الأزمات التي يعيشها المواطن اليوم مفاجئة أو طارئة، بل تحولت إلى نمط متكرر يكشف خللاً عميقًا في بنية الإدارة الحكومية. من أزمة السيولة التي تضرب مفاصل الحياة اليومية، إلى أزمة الغاز التي تتكرر دون حلول مستدامة، يبدو واضحًا أن المشكلة لم تعد في الموارد بقدر ما هي في غياب القرار.
الحكومات تُقاس بقدرتها على إدارة الأزمات وتفكيكها، لا بالتكيف معها أو ترحيلها. لكن ما نشهده اليوم هو نموذج مختلف؛ إدارة تتجنب المواجهة، وتُفضّل البقاء في منطقة “إرضاء الجميع”، وهي منطقة في السياسة لا تؤدي إلا إلى نتيجة واحدة: فقدان الهيبة وتآكل الثقة.
رئيس الحكومة، الذي يُفترض أن يكون مركز القرار، يظهر في موقع المتردد، العاجز عن فرض رؤية واضحة أو اتخاذ خطوات حاسمة. وهذا النمط من القيادة لا يُنتج استقرارًا، بل يفتح المجال أمام مراكز قوى موازية، تتحرك داخل مؤسسات الدولة دون ضابط أو مساءلة.
وفي هذا السياق، تبرز وزارة الخارجية كنموذج دال على عمق الإشكالية. فبدلًا من المضي في مسار إصلاح مؤسسي حقيقي، نشهد إعادة تدوير لقيادات ودبلوماسيين ارتبطت أسماؤهم بمراحل سابقة، وبعضهم كانت مواقفه محل خلاف أو شبهة تضارب في الولاءات. إعادة هذه الأسماء لا تعكس فقط غياب التجديد، بل تشير إلى قبول ضمني باستمرار نفس المنظومة التي ساهمت في إضعاف الأداء المؤسسي.
لقد شهدت فترات سابقة محاولات جادة لإعادة ترتيب البيت الدبلوماسي، بدءًا من رياض ياسين، مرورًا بـ عبدالملك المخلافي، وخالد اليماني، وصولًا إلى أحمد عوض بن مبارك، حيث طُرحت آنذاك رؤى للإصلاح وإعادة الهيكلة. إلا أن ما يحدث اليوم يبدو وكأنه تراجع عن تلك المسارات، وعودة إلى منطق “التسويات” على حساب الكفاءة والموقف الوطني.
المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في ضعف الأداء، بل في غياب الإرادة السياسية لتصحيحه. حين تتحول القيادة إلى مجرد موقع إداري، وتُختزل الحكومة في دور “منسق للأزمات” بدل أن تكون صانعة للحلول، فإن النتيجة الطبيعية هي استمرار التدهور وتآكل الثقة بين الدولة والمجتمع.
إن استمرار هذا النمط من الإدارة يعني ببساطة إعادة إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة، دون أفق واضح للخروج منها. فالأزمات لا تُحل بالصمت، ولا تُدار بالمجاملة، بل تحتاج إلى قيادة تمتلك الشجاعة لاتخاذ القرار، حتى وإن كان مكلفًا.
في المحصلة، ما نواجهه اليوم ليس مجرد أزمات خدمية أو اقتصادية، بل أزمة قيادة وإدارة.
وما لم يُعاد تعريف دور الحكومة من “مراقب للأزمة” إلى “صانع للحل”، فإن المشهد سيبقى على حاله… بل قد يزداد تعقيدا ً.