الحرب تدفع الأطفال إلى التدخين في اليمن ( صورة )

ترتفع نسبة التدخين بين الأطفال في اليمن لأسباب عدة، منها التباهي وقتل أوقات الفراغ وغيرهما. ويُلاحظ ارتفاع النسبة منذ بدء الحرب قبل نحو أربع سنوات، ما يتطلب عملاً مضاعفاً من قبل الأهل والتربويين

 

"بدأتُ تدخين السجائر بعلم والدتي، لكنّها لم تجبرني على الإقلاع عنها"، يقول الطفل علي أحمد (13 عاماً). مع ذلك، حاول مراراً الإقلاع عن التدخين طالباً مساعدة والدته التي يعيش معها في صنعاء من دون أن ينجح. يضيف لـ"العربي الجديد": "جربتها أول مرة بهدف التباهي أمام أصدقائي في المدرسة، وبمرور الوقت زادت رغبتي في التدخين بشكل كبير. في البداية، كنت أدخن سيجارة واحدة فقط كلّ يومين أو ثلاثة، لكنّني الآن أدخن أكثر من 10 سجائر يومياً". يشير إلى أنّ والدته اكتشفت أنّه يدخن بعد أشهر عدة، وحاولت إقناعه بالإقلاع عنها بهدوء، لكنّها فشلت. يؤكد علي أنّه يعرف المخاطر الصحية الناتجة عن إدمان السجائر: "لكنني لا أهتم فكلّ شيء قضاء وقدر، والمهم أنّني أستمتع اليوم. وفي النهاية، حتى الذين لا يدخنون يموتون". ويتصرف علي كرجل بالغ حين يدخن. يواصل: "أشعر بالارتياح عندما أدخن، وأستمتع بمشاهدة الدخان يخرج من فمي وأنفي. وإذا لم أدخن، أشعر بأنّ شيئاً ينقصني"، مشيراً إلى أنه يوفر ثمن السجائر من مصروفه وبعض أصدقائه.

 

أما الطفل محمد زيد (14 عاماً)، فيؤكّد أنه يستطيع ترك التدخين متى ما أراد، إذ إنّه لم يدمن عليه. زيد الذي ولد في مديرية حفاش التابعة لمحافظة المحويت (غرب)، بدأ تدخين السجائر منذ نحو عام تقريباً. يقول لـ "العربي الجديد": "أقنعني أحد الأصدقاء بتجربتها أول مرة في أحد مجالس مضغ القات، لكنني في البداية رفضت الفكرة تماماً، غير أنني بعد فترة وجيزة خضعت لإصراره بدافع الفضول فقط، وسرعان ما اعتدت عليها". يشير إلى أنّه يدخن سيجارتين أو ثلاثاً في اليوم عندما يمضغ نبتة القات غالباً. لكنّه يستطيع التوقف عن التدخين لبضعة أيام بسبب الارتفاع المستمر لأسعار الأصناف الجيدة منذ بدء الحرب. أحياناً، يلجأ محمد إلى التدخين بهدف التباهي أمام أصدقائه في المدرسة. يضيف: "كثير من التلاميذ يدخنون السجائر في دورات المياه وخلف المباني أثناء فترات الاستراحة، والإدارة تتغافل عنهم، كما أنّ هناك مدرسين يدخنون بالقرب من الفصول الدراسية".

نجح والد الطفل خليل العريقي في إقناع ابنه الذي لم يتجاوز 15 عاماً في الإقلاع عن التدخين. يقول لـ "العربي الجديد": "اكتشفت مؤخراً أنّ ابني يدخن أيضاً. كان يفعل ذلك في المرحاض أحياناً، أو أسفل سلم العمارة التي نسكن فيها"، مشيراً إلى أنّه وجد صعوبة في إقناعه بعدم التدخين: "لأنني مدخن، كنت أخجل عندما أحدثه عن أضرار التدخين. اعتمدت أساليب عدة منها النقاش والترهيب والترغيب والضرب. وفي النهاية، وبعد متابعة مستمرة، نجحت في منعه من التدخين".

 

لا يوجد قانون في اليمن يجرّم بيع السجائر للأطفال، الأمر الذي ساهم في انتشار السجائر بينهم. في هذا الإطار، يقول عبد الرحمن سليمان، وهو صاحب محل لبيع المواد الغذائية في صنعاء، إنّ "غالبية من يأتون لشراء السجائر من محلي أطفال، ولا أعرف ما إذا كانوا يشترونها لأنفسهم أو لأهلهم. كما أنّ هذا الأمر لا يعنيني طالما أنّ القانون لا يمنع بيعها لهم". يضيف لـ"العربي الجديد": "أبيع منتجاتي لمن يريد شراءها بصرف النظر عن عمره، لأنّ هذا مصدر رزقي الوحيد، ولست مسؤولاً عن أطفال غيري"، مشيراً إلى أنّ مهمة مراقبة الأولاد المدخنين تقع على عاتق الأهل. يؤكد سليمان أنّ "استهلاك السجائر تضاعف خلال سنوات الحرب الأربع الماضية، على الرغم من ارتفاع أسعارها"، لافتاً إلى أنّ معظم المدخنين يفضلون شراء السجائر المهربة أو المقلدة، من جراء انخفاض أسعارها بالمقارنة مع الأصناف المعروفة، إذ يبلغ سعر العلبة المكونة من 20 سيجارة 250 ريالاً يمنياً (نصف دولار أميركي).

 

غالباً ما يبدأ الأطفال التدخين نتيجة تأثير الأصدقاء، أو بدافع تقليد الكبار أو لقتل أوقات الفراغ، بحسب الباحثة النفسية والاجتماعية هند ناصر. تقول لـ "العربي الجديد" إنّ "تدخين الأطفال السجائر من الأمور الخطيرة في المجتمع، ويجب على الجهات المعنية في الدولة التحرك السريع للحدّ من تفاقمه، وسنّ قوانين تُجرّم بيعها للأطفال، وتنفيذ حملات توعوية في المدارس لتوضيح النتائج الوخيمة المترتبة على إدمانها، لا سيما صحياً". وتشير إلى أنّ أولياء الأمور مسؤولون أولاً عن أبنائهم، ثم المدرسون والتربويون في المدارس. تضيف ناصر: "يجب على الآباء والأمهات متابعة أطفالهم بشكل مستمر في المدارس والشوارع والبيوت، ومعرفة أصدقائهم المقربين لضمان عدم تدخينهم السجائر". وتؤكد ناصر أنّها كغيرها، تلحظ تزايد أعداد المدخنين الأطفال في اليمن منذ بدء الحرب قبل أكثر من أربع سنوات. تضيف: "لا أشجع على استخدام العنف مع الأطفال المدخنين. يجب اختيار الكلمات والوسائل المناسبة بعيداً عن العنف، لضمان تجاوب الأطفال، أو أنّ النتائج ستكون عكسية".

 

ويعتبر اليمن من أكثر الدول استهلاكاً للسجائر، إذ أظهرت دراسة أعدتها منظمة الصحة العالمية أنّ البلاد تحتل المرتبة الثانية على الصعيد العربي بعد تونس لناحية أعداد المدخنين. وتفيد دراسة أعدها البرنامج الوطني لمكافحة التدخين في اليمن بوجود 3.4 ملايين مدخن على مستوى مختلف محافظات الجمهورية. وتشير الدراسة إلى أنّ 1.14 في المائة من التلاميذ في مدارس التعليم الأساسي في اليمن (ما بين 13 و15 عاماً) يدخنون أحد أنواع التبغ، فيما 40 في المائة يتعرضون للتدخين السلبي (غير المباشر).

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص