بقلم: ذكرى فيصل العراسي
لم تكن مأساة «تايتانيك» أنها اصطدمت بجبل جليدي فحسب، بل أن سفينةً قيل إنها لا تغرق انتهت إلى قاع المحيط، تاركةً وراءها حكاية عن الغرور، والتحذيرات التي لم يُلتفت إليها، والركاب الذين لم تكن فرص نجاتهم متساوية.
أما اليمن، فلا يغرق في محيط من الماء، بل في محيط من الأزمات والصراعات والمصالح المتشابكة. سنوات تمضي، والأمواج تتلاحق، والإنسان اليمني هو من يدفع الثمن؛ يحلم بالأمان، ويبحث عن لقمة العيش، ويتشبث بما تبقى له من وطن وحياة.
في تايتانيك، لم يكن الجميع متساوين في فرص النجاة. وفي اليمن أيضًا، تتفاوت قدرة الناس على الهرب من الكارثة؛ فمنهم من يملك أبوابًا مفتوحة، ومنهم من لا يملك سوى الصبر، ووجعٍ يحمله بصمت، وأملٍ يتناقص كل يوم.
لكن السؤال ليس كيف غرقت السفينة وحدها، بل: من تجاهل التحذيرات؟ ومن اتخذ القرارات؟ ومن تُركوا لمواجهة مصيرهم؟ فالأوطان لا تغرق فجأة، بل حين تتراكم الأخطاء، وتضيع المسؤولية، ويصبح وجع الإنسان خبرًا عابرًا في نشرات الأخبار.
أنا لا أكتب دفاعًا عن سلطة، ولا خصومةً مع أحد؛ أكتب عن الإنسان البسيط الذي لا يملك منبرًا يوصل صوته، وعن أمّ تخشى على أطفالها، وأبٍ يعجز عن توفير احتياجات أسرته، وشابٍ تتآكل أحلامه وهو ينتظر فرصة لحياة كريمة.
هؤلاء هم الذين يستحقون أن نكتب عنهم، لا شفقةً عليهم، بل إنصافًا لهم؛ لأن الإنسان ليس رقمًا في إحصائية، ولا صورةً عابرةً في تقرير، بل حكاية تستحق أن تُروى، وكرامة ينبغي ألا تُنسى.
غرقت تايتانيك في ليلة، لكن اليمن يغرق منذ سنوات. فكم من الألم ينبغي أن يتحمله شعب، وكم من التحذيرات ينبغي أن تُهمَل، حتى يتحرك الضمير قبل فوات الأوان؟
ربما لا يملك القلم إنقاذ سفينة، ولا يستطيع وحده انتشال وطن من أزماته، لكنه يستطيع أن يكشف الحقيقة، وأن يمنح صوتًا لمن أُسكتوا، وأن يذكّرنا بأن الصمت عن وجع الناس ليس حيادًا دائمًا.
وفي النهاية، لا يبقى من السفن الغارقة سوى الحكايات، ولا يبقى من أعمارنا سوى ما نتركه في حياة الآخرين.
ويبقى الأثر… حين نكتب بضمير، وننحاز للإنسان، ونؤدي رسالتنا بشرف، دون تزلف.
— ذكرى فيصل العراسي





