تتناول خارطة الطريق التي قدمها اللواء الركن فرج سالمين البحسني قضية جوهرية كثيرًا ما تُهمل في الخطاب السياسي العربي عمومًا: أهمية بناء الملف القانوني والدبلوماسي بوصفهما أداتين أساسيتين في المعركة السياسية.
فالوثيقة تدرك أن القضايا الوطنية الكبرى لا تُحسم في الساحات وحدها، ولا في البيانات السياسية، بل في قاعات المحاكم الدولية، ومكاتب صناع القرار، ومراكز الدراسات الاستراتيجية. الملاحظة الأولى التي تسترعي الانتباه في هذا السياق هي الدعوة إلى "الانتقال من الخطاب السياسي العام إلى خطاب قانوني مؤسس، قادر على مخاطبة المؤسسات الدولية بلغتها".. هذه العبارة تحمل في طياتها إدراكًا عميقًا لطبيعة النظام الدولي المعاصر، الذي لا يتعامل مع المطالب العاطفية أو الشعارات الحماسية، بل مع الحجج الموثقة، والوقائع المدعومة بالأدلة، والمرجعيات القانونية الدقيقة.
وتذهب الوثيقة إلى أبعد من ذلك باقتراحها تشكيل هيئة قانونية عليا تضم خبراء في القانون الدولي والدستوري وحقوق الإنسان، إلى جانب الاستعانة بخبرات قانونية دولية متخصصة. هذا التوجه يعكس فهمًا بأن القضية الجنوبية، رغم عدالتها، تحتاج إلى من يترجمها إلى لغة القانون الدولي، ويصوغها في قوالب قانونية مقنعة للمؤسسات الدولية، فكثير من القضايا العادلة خسرت في المحافل الدولية ليس لضعف عدالتها، بل لضعف التمثيل القانوني لها.
أما في الشق الدبلوماسي، فترسم الوثيقة تصورًا متطورًا للعمل الخارجي، يقوم على "وضوح الأهداف، ودقة الرسائل، وفهم مصالح الدول ومواقفها"، هذا التصور يتجاوز النمط التقليدي للدبلوماسية الاحتفالية، التي تكتفي باللقاءات البروتوكولية والتصريحات العامة، نحو دبلوماسية مؤسسية تقوم على التخطيط الاستراتيجي، وبناء العلاقات المتوازنة، وتأهيل الكوادر المتخصصة.
ومن اللافت في الوثيقة دعوتها إلى "توحيد الخطاب السياسي الخارجي، وتجنب التصريحات المتناقضة التي قد تضعف الموقف التفاوضي"، فهذه المسألة تمثل تحديًا حقيقيًا للحركات السياسية، التي كثيرًا ما تضعف مواقفها بتصريحات متضاربة صادرة عن قيادات مختلفة، مما يمنح الخصوم فرصة لاستغلال هذه التناقضات.
وفي العمق، تطرح الوثيقة سؤالًا جوهريًا: هل يمتلك الجنوب القدرة على مخاطبة العالم بلغته؟
والإجابة التي تقدمها الوثيقة هي أن هذه القدرة لا تولد من العدم، بل تُبنى عبر مؤسسات متخصصة، وكوادر مؤهلة، وملفات قانونية موثقة، واستراتيجيات دبلوماسية مدروسة.
وهذا هو جوهر الانتقال من "الحضور السياسي" إلى "الفعل المؤسسي" الذي تدعو إليه الوثيقة.







