في المشهد الأخير تختصر امرأةٌ وطنًا حين استهدفت مليشيات الحوثي المدعومة من إيران أبًا وابنته لم تجد الأم نفسها عاجزة أو مستسلمة بل حملت جثمان ابنتها على ظهرها لتواريها هي وزوجها في مشهد يتجاوز حدود الحادثة الفردية ليصبح بيانًا مكتوبًا بالدم والدموع يفضح حربًا أنهكت وطنًا وأثقلت كاهل أبنائه بالخوف والفقد والدمار هذه الصورة ليست مجرد فاجعة عابرة بل هي المفتاح الذي يفضح كل شيء.
من أين جاء الوجع؟ ومن حمله؟ ولماذا؟ وكيف تحوّل صمود تعز من معركة عسكرية إلى ذاكرة وطنية ترفض أن يُكتب اليمن بغير إرادة أبنائه؟ ذلك الوجع لم يعرف شمالًا ولا جنوبًا ولم يميز بين طالب ومعلم أو جندي ومواطن أو طفل وكبير وبين شاب ومسن حين تصبح حياة الإنسان رخيصة أمام السلاح لا يعود أحد في منأى عن الخطر.
الحرب أصابت المدارس والجامعات وأثرت في التعليم ومستقبل الأجيال وطالت مؤسسات الدولة ومنشآتها والمطارات والمعسكرات ووصلت إلى منازل المواطنين وأحيائهم فتحولت أماكن كان يفترض أن تكون ملاذًا للأمن والحياة إلى ساحات للخوف والدمار وحين تُستهدف المدرسة فإن المستهدف ليس جدارًا من الإسمنت بل عقل طفل ومستقبل جيل وحين تُضرب الجامعة فإن الخطر لا يقع على مبنى فقط بل على حلم شاب كان يريد أن يصبح طبيبًا أو مهندسًا أو معلمًا.
وحين يُقتحم منزل المواطن أو يُقصف فإن المستهدف ليس حجارة المنزل بل شعور الأسرة بأنها آمنة في وطنها.
ومن هنا تصبح صورة تلك الأم وهي تحمل جثمان ابنتها أكبر من حادثة فردية؛ إنها صورة تختصر مأساة اليمنيين جميعًا.
وفي الجهة الأخرى ظهرت نساء تعز في صور مختلفة: بعضهن يحملن السلاح وبعضهن يحملن أطفالهن وبعضهن يحملن ما تبقى من متاع أسرهن وأخريات حملن مسؤولية البيت بعد غياب الزوج أو الابن تعددت الأشياء التي حملتها المرأة لكن الحمل كان واحدًا: حمل اليمن وجراحه ومستقبله هذا التعدد في الصور ليس تنوعًا في المشهد فحسب بل هو دليل على أن الحرب لم تُفرّق بين اليمنيين في الوجع لكنها أيضًا لم تُفرّق بينهم في الصمود.
المرأة هنا ليست ضحية فقط بل هي فاعل أساسي في معادلة الصمود وصوتٌ يحمل ذاكرة المكان ويفتح باب السؤال عن مصير الوطن.
ولهذا فإن صمود تعز لا يمكن فهمه باعتباره معركة عسكرية فقط إنه في الوعي الوطني لكثير من أبنائها رفض لأن يتحول اليمن إلى بلد تحكمه القوة وحدها أو يُفرض على أبنائه نظام سياسي لا يختارونه فاليمني الذي يريد مدرسة مفتوحة وجامعة آمنة ومطارًا يعمل ومؤسسات دولة تحميه وبيتًا لا يخاف عليه لا يطلب المستحيل؛ إنه يطلب أبسط حقوق المواطن في وطنه وتلك الأم التي حملت جثمان ابنتها تقول بصمتها أكثر مما تقوله الكلمات: لقد أخذتم ابنتي لكنكم لن تأخذوا اليمن ومن هنا يصبح صمود تعز امتدادًا لذاكرة وطنية أقدم لذاكرة ثوار 26سبتمبر وثورة 14 أكتوبر ولليمنيين الذين رفضوا أن يكونوا تابعين لحاكم أو مستعمر أو وصاية مفروضة عليهم.
إنها معركة من أجل أن يكون اليمن وطنًا لجميع أبنائه لا ملكًا لفرد ولا حكرًا على جماعة ولا خاضعًا لوصاية أحد.
فالأم التي حملت جثمان ابنتها حملت معها رسالة اليمن كلها: قد يُقتل أبناؤنا وقد تُهدم بيوتنا ومدارسنا لكن إرادة اليمنيين في الحرية والمواطنة لا تُدفن وهذه الرسالة ايمان بالعزة والحرية والكرامة اليمنية إذا كانت هذه المرأة قد حملت وجع اليمن كله على كتفيها فمن يحمل مسؤولية إنهاء هذا الوجع ومن يعيد لليمن معنى الوطن الذي يستحق أن يُحمل إنه الوعي الذي تبنيه الكلمات والكفاح الذي لايتوقف الابالانتصار وفي الإرادة التي لا تُدفن.





