ترجّل بصمت… حين يرحل الرجال الذين صنعوا المعنى

الدكتور: عبدالقادر المحوري

 

ترجّل بصمت المناضل الجسور والضابط الزاهد محمد أحمد علي المحوري، المعروف بلقبه التنظيمي «التواهي»، وهو اللقب الذي التصق به منذ أيام النضال الأولى حين كان مرافقًا شخصيًا للرئيس الراحل سالم ربيع علي، وحاملًا لأسراره في واحدة من أكثر مراحل الثورة توهجًا وعنفوانًا وتعقيدًا.

 

لم يكن «التواهي» مجرد مرافقٍ لرئيس، بل كان حلقة وصل أمينة بين سالمين وخلايا النضال، ورفيق درب في زمنٍ كانت فيه الكلمة تساوي حياة، والخطأ يساوي الفناء. وفي لحظات التحول الحاسمة، كان حاضرًا في مشهد الخروج المشترك إلى قعطبة، حيث امتزج الخوف بالأمل، والنجاة بالإيمان العميق بقضية لم تكن تحتمل التردد.

 

امتد حضور الفقيد عبر محطات الثورة ومنعطفاتها المختلفة، شاهدًا ومشاركًا، فاعلًا لا متفرجًا، يحمل سلاحه حين يتطلب الأمر، ويحمل الصمت حين يكون الصمت أبلغ من الكلام. وقد اجترح خلال مسيرته مواقف نضالية جسورة، لم يسعَ يومًا إلى تدوينها باسمه، ولم يمنّ بها على أحد، بل آثر أن يظل في الظل، مؤمنًا بأن قيمة الفعل تكمن في صدقه لا في صوته.

 

كان العميد محمد أحمد المحوري من طينة أولئك الأنقياء الذين يصنعون الحدث ثم ينسحبون بهدوء، دون التفات إلى الوراء، ودون انتظار مقابل أو اعتراف. زاهدًا في الأضواء، عفيفًا عن الادعاء، وفيًا لرفاقه، وأمينًا لتاريخٍ لو نطق لقال الكثير.

 

برحيله، لا تفقد الذاكرة الوطنية رجلًا فحسب، بل تفقد نموذجًا نادرًا للمناضل الذي جمع بين الشجاعة والتواضع، وبين الصلابة الأخلاقية والانضباط العسكري، وبين الوفاء للصمت حين يكون الصمت أسمى أشكال الإخلاص.

 

رحم الله العميد محمد أحمد علي المحوري، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن وطنه وثورته ورفاقه خير الجزاء.

سلامٌ على روحه في الخالدين… وسلامٌ على الذين مرّوا في حياتنا بصمت، لكنهم تركوا أثرًا لا يزول.