قراءة في المشهد الوطني من زاوية جنوبية

كتب : فارس العدني

 

في لحظة وطنية مثقلة بالخسائر المعنوية والمادية والبشرية، يصبح من الضروري تقديم خلاصة واقعية تختصر الزمن والجهد، وتضع اليد على مكامن الخلل قبل أن تستكمل البلاد نزيفها المفتوح، ذلك النزيف الذي تغذت عليه أطراف متعددة، سلماً وحرباً، وجعلت من الاستنزاف وسيلة دائمة لإعادة إنتاج الأزمات.

 

وقبل الوصول إلى الخلاصة، لا بد من التوقف عند تفاصيل المشهد الجنوبي داخل مجلس القيادة الرئاسي، وتحليل أدوار وشخصيات أعضائه الجنوبيين، وقياس مدى فاعليتهم وتأثيرهم سلباً وإيجاباً، بعيداً عن المجاملة أو التحيز.

 

ليس غريباً أن يكون آخر المنضمين إلى المجلس هو الأبرز حضوراً وتأثيراً. ونعني هنا الفريق محمود الصبيحي، بطبيعته العسكرية القيادية الفذّة، التي لا تحكمها الأهواء المناطقية، ولا تنزلق إلى النفعية أو عمى الاصطفافات. شخصية تشعر بثقل المسؤولية حين تتولاها، وتمنح المنصب من جهدها وحياتها وفاءً واحتراماً لذاتها، قبل أن يكون التزاماً تجاه شعبها.

 

قد تتقاذف الفريق الصبيحي اليوم محاولات التأويل والاستمالة من هذا الطرف أو ذاك، غير أن المؤكد أنه يملك خطاً فاصلاً واضحاً بين الانحناء لمصالح وظيفة مؤقتة، وبين الانتصار لمستقبل الوطن وخياراته الكبرى شمالاً وجنوباً. وهذه المسافة الأخلاقية والسياسية هي ما تمنحه ثقله الحقيقي في معادلة معقدة، سنعود إليها في الخاتمة.

 

أما أبو زرعة المحرمي، فيمكن توصيفه كمقاتل ميداني أكثر منه قائداً سياسياً. إذ تظل تقلباته العاطفية والمناطقية واضحة، وإن غُلّفت أحياناً بخطاب الورع والتقية. فقراراته وترتيباته، في جوهرها، تصب في هذا الاطار ، مما يطرح أسئلة جدية حول طبيعة الانسلاخ عن مركز القرار داخل هرم الانتقالي نفسه.

 

ومع ذلك، يُحسب له أنه في خضم هذا التحول المضطرب يدافع بقوة عن أتباعه، ويتقدم إلى واجهة المشهد بجرأة ومن دون حسابات تفصيلية دقيقة، وهو نهج قد ينجح أحياناً، لكنه يظل محفوفاً بالمخاطر.

 

وعلى النقيض من ذلك، تبدو خطوات الدكتور عبدالله العليمي خجولة ومترددة. فقد أضاع فرصة كونه العضو الجنوبي الوحيد الذي ساند الشرعية بوضوح، وأدان أحداث وتحركات الانتقالي، ووقف إلى جانب الرئيس رشاد العليمي. وكان من المتوقع أن يمنحه هذا الموقف حضوة ومكانة في المشهد الجنوبي والوطني، غير أن حضوره انحصر في لقاءات شكلية ودور وظيفي لا يتجاوز حدود “مصلح اجتماعي”، بلا كاريزما قيادية، ولا قدرة على فرض الاسماء أو إصدار القرار، حتى في حدوده الدنيا، كما يفعل غيره.

 

وللأمانة، فالعليمي شخصية تصالحية ومنضبطة وغير صدامية، غير أن التقوقع لا يصنع نجاحاً، والتردد يحمل مخاطر جسيمة، وربما أسهم انعزاله وتأثير محيطه النفعي في تكريس هذا الدور المحدود، وهو دور لا يليق به ولا يخدم القضية التي انحاز لها.

 

أما النائب الجديد سالم الخنبشي، فكان الأجدر – من وجهة نظرنا – أن يحتفظ بمكانته محافظاً لحضرموت، حيث أثبت حضوراً مقبولاً، وأن تُسند مهمة العضويه الرئاسية إلى شخصية بحجم وخبرة الدكتور أحمد عبيد بن دغر، صاحب التجربة الإدارية والسياسية الوازنة، وإن كانت هذه الميزة نفسها تثير أحياناً ريبة الآخرين وتغلق أمامه أبواب التوافق.

 

إن مستقبل البلاد، وبصورة عاجلة، مرشح لمزيد من النزيف بين المساومات والابتزاز السياسي، ما لم يتصدر المشهد قائد شجاع، صاحب قرار وحضور وطني جامع. ونرى أن هذا الوصف ينطبق اليوم على الفريق محمود الصبيحي، بوصفه خياراً توافقياً يمكن أن يقود نحو يمن اتحادي فيدرالي من إقليمين: شمال وجنوب، تحت قيادة تحافظ على رمزية الدولة، وتصون مواردها، وتضمن توزيعها بعدالة، في وطن آمن ومستقر، مرحّب به ومدعوم من الأشقاء والأصدقاء.