د.عبدالقادر المحوري
في خضم الجدل الدائر حول مآلات القضية الجنوبية وتفاعلاتها السياسية، طالعنا مؤخرًا مقالًا للدكتور ياسين سعيد نعمان، تناول فيه بالنقد قرار إنشاء مجلس الشيوخ الجنوبي، وهو القرار الذي قوبل بترحيب واسع في الأوساط الجنوبية، بوصفه خطوة رمزية وسياسية تهدف إلى إعادة الاعتبار للهوية الجنوبية، ولمظلوميات التاريخ التي تعرض لها الجنوب منذ ما قبل الوحدة.
ما يلفت في مقال الدكتور ياسين، هو اختزاله لتجربة الجنوب في مرحلة الحزب الواحد التي امتدت من الاستقلال في 1967 وحتى الوحدة في 1990. وهي فترة لا يمكن إنكار ما حملته من محطات فارقة، لكنها لا تصلح أن تكون ممثلًا أو مرآة لهوية الجنوب، بل كانت مرحلة مليئة بالصراعات الدموية والإقصاء، بدأت بإزاحة القادة المؤسسين للدولة الوليدة، كقحطان الشعبي، ومحمد علي هيثم، و عشال، ولم تنتهِ عند تصفية الرئيس سالمين، بل توجت بمأساة 13 يناير 1986 التي أسقطت آخر أوراق تلك التجربة، وأطلقت رصاصة النهاية على مشروع الجنوب كدولة مستقلة، ليدخل مضطرًا في وحدة لم تكن متكافئة أو متزنة.
إن من يقرأ الجنوب من زاوية تلك التجربة وحدها، يغفل عن عمق التاريخ الجنوبي الممتد من سلطنة حضرموت وسلاطين المهرة وعدن وبيوت الحكم التقليدية في لحج وأبين والضالع، ويافع وشبوه إلى البنية الاجتماعية والثقافية والدينية التي قاومت التغريب والتذويب. كما أنه يتجاوز حقيقة أن “اليمننة” لم تُفرض فقط مع الوحدة، بل بدأت منذ لحظة تغليب جناح “الجبهة القومية” المدعوم شمالًا، والذي قام بإقصاء شركاء الثورة الحقيقيين، وفرض أيديولوجية دخيلة على الشعب، ما زال الجنوب حتى اليوم يُعاني من آثارها.
إن قرار إنشاء مجلس الشيوخ الجنوبي ليس نزعة سلطوية أو ترفًا سياسيًا، بل هو محاولة لاستعادة التوازن في خطاب وهوية الجنوب، والاعتراف بشخصيات تم تهميشها، وأدوار طُمست عمدًا، وهو جهد لإعادة صياغة التاريخ بروح تصالحية تُعيد للناس ثقتهم بماضيهم، بعيدًا عن التسطيح أو محاولات “التقزيم” باسم النضال أو المركزية السياسية.
نعم، لا يمكن تجاهل أن هناك جنوبًا صيغ بعنف، وفُرض بالقوة، واغترب عن ذاته لسنوات، لكن الجنوب الأوسع، الجنوب التاريخي، المتعدد، الذي يحمل في ذاكرته سلطة عدن التشريعية السلطنة والكفاح والتمدن والانفتاح، لم يمت، بل ينهض اليوم عبر أدواته السياسية والاجتماعية لاستعادة حقه في التعبير عن نفسه، وعن هويته، بعيدًا عن الوصاية أو القراءة المنقوصة.
ختامًا، الجنوب ليس مرحلة عابرة من الصراع، ولا ساحة اختبار لأفكار مؤدلجة، بل هو كيان متكامل له حقه في أن يُعيد ترتيب روايته، ومجلس الشيوخ الجنوبي خطوة في هذا المسار، تستحق التأييد لا التهكم أو الاختزال